تحرير الإعلام من قبضة الحاكم… والجهلاء – إلهام الوجيه

تحرير الإعلام من قبضة الحاكم… والجهلاء – إلهام الوجيه

ليس هناك أقوى من فكرة قد آن أوانها… تبادرت إلى ذهني هذه الجملة التي قرأتها ذات زمن ولم أجدها مناسبة للاستدلال سوى هذه اللحظة.
تحرير الإعلام من قبضة الحاكم… ومن قبضة الجهلاء كذلك. الحاكم وعرفناها, أما الجهلاء فلا بد من وقفة لمعرفة المزيد عنهم.
وليس هناك من داع لأعيد ما حفظناه عن ظهر قلب نحن المشتعلون ثورة وحنقا ونزقا ضد الفساد والمفسدين (الحكام) والذين اخترنا لهم أسوأ الصفات وأكثرها دموية وطغيانا، لنصف أنفسنا نحن الرافضين لهم بالباحثين عن العدالة وعن الحرية وعن لقمة عيش كريمة… جعلنا أنفسنا أخيارا ببساطة ووقاحة من يطلق على نفسه الصفات ولا ينتظرها من الآخرين!
الإعلام يا سادة يا كرام هو تلك القوة والسلاح الذي تقاوم به الشعوب حكامها ويقاوم به الحاكم كل من قد يعارضه. ولأنه يمتلك كل تلك القدرة التي لا تخفى إلا على جاهل، فقد تسارع الجميع إلى امتلاكه، وليس لأجل الدفاع عنه وعن وظيفته الحقيقية في التنوير والتغيير. بل واستطاع الملتصقون بهذه المهنة من كلا الطرفين تحويل تلك الغاية إلى غاية أخرى هي طمس الحقائق وتشويهها والكذب أحيانا باسم الحرية ومحاربة الفساد.
كان للحاكم الحظ هنا أيضا في امتلاك الإعلام كما امتلك الكثير من الحقوق التي لا تعطى إلا لذاته العظيمة. وأمام هذا الاستيلاء الذي لا أنكره الآن بقدر ما أرى استيلاء من نوع آخر يسيطر على إعلام الطرف الآخر الواصف لنفسه بالمستضعفين في الأرض, استيلاء مخزيا يرمي عرض الحائط بكل القيم والأهداف التي يتشدق الطرف الآخر بالدفاع عنها وتقديم التضحيات لأجلها. استيلاء يتمثل بانعدام المهنية والتقنيات، وعدم الالتزام بمواثيق شرف وليس قوانين تجرم الخداع والتلفيق والمزايدة. وتجاهل طرف مهم في هذا النزاع خفي لا يراه المتنازعون رغم أنه الأهم على القائمة وهم أولئك المتفرجون والقارئون والمستمعون لكل تلك الحروب الطاحنة والتي لا تقدم حبة قمح واحدة أو حتى قطرة ماء على الأقل بل ويدفعون ثمن كل ذلك النزاع من ثقتهم واستمرارهم بالإيمان بغد أفضل ليتساءلوا بكل براءة وجرأة عن الفائدة من حرية للإعلام مع جوع ينهش الأرواح وجهل يتلذذ بالتربع على عرش العقول، ممتلكين للحق في رؤية الحرية كمطلب برجوازي أشبة بالمطالبة بالجاتوه والناس لا تجد رغيف الخبز.
لا أدافع عن القيود، ولكنني أشير إلى تعددها وتنوعها وليس انحصارها في حرية الإعلام الذي أعتقد أن الحاكم يعلم تماما أنه باللعب على هامشها تزايدا ونقصانا لا يقوم بذلك الفعل لأجل فزعه منها كون تقييد الإعلام لا يحقق هدفه الآن في ظل وجود الفضائيات والإنترنت، بل هو لأجل هدف آخر هو جعل حرية التعبير كبديل للديمقراطية التي لا يمثل الإعلام فيها سوى واحد من مجموع لمظاهر ديمقراطيه متعددة لا نشهد لها أثرا في حياتنا اليومية، وليقع في فخ ذلك الصراع والمعارك من يظنون الإعلام بوابة لتلك الديمقراطية الشاملة. وبغض النظر عن اختلافي مع ذلك, إلا أنه لا يتعارض مع أن الإعلام هو الوسيلة الأكثر فاعلية والقادرة على فضح الفساد والمفسدين في كل البلاد وليس المراكز الحكومية فقط دون سواها. ولكن اختلافي يتعارض مع كونها شغلنا الشاغل ومفتاح الألغاز وبوابة المرور إلى المدنية. نناشد بتفعيل تلك السلطة الرابعة كضرورة تنموية لأجل البناء والتقدم، وليس لأنها مجرد وسيلة لبث الأحقاد والمشاحنات التي اختصم فيها فريقان استوليا على وسائل الإعلام ولم يريا للأسف سوى مصالحهما، التي لا ننتقدها، كون العالم مليئا بالمصالح والسعي لأجل تحقيقها، ولكن لإلباسهم تلك المصالح والمطامع لباس التقوى والبحث عن الخير!
إن تضييق الخناق على الحرية الإعلامية ليست محصورة على اليمن وحكرا على حكامها. فقبل أن تكون المسألة عالمية بدأت تتفاقم منذ إعلان الولايات المتحدة لحربها على الإرهاب مرورا أصلا بتاريخ مليء بالقمع تزدهر به شعوب منطقتنا المتوارثين خلالها رغبة تغيير الطغاة وقلة حيلتهم أمام الوسيلة الأجدى لفعل ذلك, كونهم يتوارثون الوسائل نفسها عبر آبائهم بما فيها طريقة معارضة الحاكم وفضح فساده، من خلال الكذب أحيانا وإهمال الحقائق والانجازات حينا آخر، وعدم تقديم يد العون لمن يدعي ولو كان كذبا أنه سيغير وسيبدأ بإصلاحات جادة وتخفيض الأسعار وإنتاج حتى الطاقة النووية!! ما العيب إذا بالمساعدة والانتقاد الجاد والصادق وغير المبالغ به لكل مظاهر عدم تنفيذ تلك الوعود, بل وحتى عمل أبحاث لمعرفة مكامن الخلل وليس كشفه فقط وتقديم النصح عبر الإعلام الذي يمتلكونه هم هنا، لذلك الحاكم الذي ما إن يشعر بأن معارضيه ليس هدفهم الوحيد الاستيلاء على الكرسي الذي يعتبره –خطأ– ملكا له كما يظن أغلب الجالسين على كرسي السلطة باعتباره غنيمة و”فيد” بل إنهم يهدفون لتنمية هذا البلد ورقيها قبل أن يفكروا بالسلطة لا أكثر. تلك هي المعارضة التي أفهمها ولا أفهم معارضة اليوم أبدا.
أخيرا: حجب المواقع ومحاربة الصحفيين ومنع التراخيص عن البعض، ما هي إلا إرهاصات حقيقية لمساحة أوسع من الحرية سيمتلكها الجميع إن فهموا (الجميع) أن الديمقراطية هي أكبر من أن تكون إعلاما فقط والإعلام أكبر من أن يكون مجرد مساحة لبث الغضب وتصفية الحسابات. وهنا يجب أن ندفع بكل طاقتنا لأجل تحقيق هدف أعلى وأسمى هو رفع شعار سلطة القانون وليس سلطة الأمن والتي بات واضحا أن البلاد تخطو خطواتها الجادة إلى الوراء وإلى حكم العسكر عندما لم نستطع جميعا تحمل تلك القفزة النوعية المسماة الديمقراطية، عند عقول لا تعرف سوى القمع والـ”أنا”. كما أن على المنظمات المدنية والنقابات أن تسهر ولو قليلا على الرسالة الإعلامية وأخلاقياتها وجعل القضاء هو الفاصل في كل الخلافات التي قد يوجد من خلالها ظالم ومظلوم، بدلا من حصر دورها في التنديد بكل من قد يمس حريات الصحفيين والمطبوعات فالمطالب منها هو التعمق أكثر نحو التنديد بعدم المهنية والمسؤولية التي باتت تمس حرية الإعلام في الصميم أيضا تتحول إلى وسيلة للعاجز الذي لا يجد سوى الجدار ليحطم رأسه عليه منتحرا ببطء، مدعيا أن شخصا آخر هو من يحطم له رأسه! والجميع يتفرج لا يحركون ساكن كونهم يعتقدون بأنها نهايته الحتمية وقدرة الذي لا مفر منه!
سئل محمود درويش عن حريته، فقال: أن أكون كما لا يريدون لي، أن أكون…