يمني نجا من الموت بأعجوبة ليدخل السجن بتهمة اللامبالاة وأشياء أخرى، ومع ذلك فالكوابيس لا تكف عن مطاردته.. محبوس بجوار الكعبة – علي الضبيبي

يمني نجا من الموت بأعجوبة ليدخل السجن بتهمة اللامبالاة وأشياء أخرى، ومع ذلك فالكوابيس لا تكف عن مطاردته.. محبوس بجوار الكعبة – علي الضبيبي

يحاول الشاب اليمني توفيق العزكي الإنفكاك من قبضة سجن مكة المكرمة، ولكن دون فائدة.
منذ سنتين ونصف وهو غائص في أعماق سجنه، يناشد سفارة اليمن في الرياض وقنصليتها في جدة. أما أسرته اليمنية في صنعاء، فليس بمقدورها فعل شيء من شأنه تقديم أي عون ٍ له. فقط تتذكره وتتنهد.
وطبقاً لعائلته؛ فإن توفيق أُدخل السجن في غرامة مالية تكبَّدها لتاجر عسل سعودي كان يعمل لديه، وقبل سنتين ونصف كاد توفيق أن يخسر حياته كلها في حادث سير. لقد انقلبت شاحنة التوزيع التي كان يقودها وهي محملة بالعسل على خط مكة- المدينة، أودى بالسيارة وما فيها، وكتب له النجاة بمساعدة القدر، لكن هذا الحظ السعيد كان فادح الثمن: منذ عامين ونصف وهو في السجن.
حينها واجهه التاجر (الكفيل) بتهمة الإهمال والسرعة واللاّمبالاة، وأشياء أخرى كانت قاسية ولا تزال كالوخز في صدر توفيق. كان مصدوماً منها للغاية، شعر إزاءها بالخدش والضيق. وكأي يمني لا بد أن توفيق رفع صوته؛ لاسيما وهو يحاول صد التهم. لكن سرعان ما تحولت دفاعاته إلى شجار وصل حد رفع الأيدي، وحين وصلت القضية الى محكمة إصلاحية مكة المكرمة، حُكم بتسديد 200 ألف ريال سعودي للتاجر وبالحبس 6 أشهر- حد قول عائلته، وكان يواجه جلسات المحاكمة دون محامٍ.
وطبقاً لمصادر أسرية فإن توفيق الذي تعدى فترة العقوبة بعامين، تقدم بدعوى إعسار إلى الحكومة السعودية في رمضان الفائت، وبعد أن تأكد لها ذلك دفعت عنه المبلغ كاملاً. لكن الرجل لا يزال مسجوناً، والكوابيس لا تكف عن ملاحقته كلما تذكر أهوال الحادث.
في 1 يناير الماضي وجهت المحكمة بالإفراج عنه بعد انتهاء المدة، وانقضاء الدين المحكوم به. ويفيد أقرباء السجين أن ملفه رُحّل كاملاً الى هيئة التمييز القضائي على أساس إجراءات الإفراج عنه «وإلى الحين لم يطلق توفيق».
تلقينا نحن في «النداء» رسالة منه يشكو فيها الحال الذي وصل إليه، وتخمة اللاّمبالاة عند سفارتنا في الرياض، التي راسلها غير مرة ولم تستجيب لندائه. إنها تتجاهل مواطنيها بصورة مخجلة. ويستطرد، توفيق العزكي، وهو من مواطني مديرية «الرجم» محافظة المحويت، في شكواه بحرقة وألم شديدين جراء ذلك: «لا نريد من السفارة القيام بعملية حربية كما فعلت بريطانيا مع إيران، كل ما نطلبه أن يرسلو إلينا مندوب يسمع شكوانا ويخاطب الجهة المختصة في المملكة».
وإلى جوار توفيق 6 سجناء يمنيين يقبعون على ذمم حقوق خاصة، بينهم ناصر يحيى اسماعيل الريمي، الذي يمضي سنتين بدون محاكمة- كما تقول الرسالة.
هكذا تتعامل سفاراتنا في الخارج مع رعاياها. ومثلها القنصليات. فلطالما ناشد توفيق القنصلية اليمنية في جدة، فوجد الحال مثل بعضه. كيف يمكن إصلاح نظام الرعاية في سفاراتنا؟! هذا المواطن يعمل في السعودية بطريقة شرعية. إنه حاصل على «فيزا» قبل أربع سنوات ويعمل بكفالة عمر السفياني (تاجر العسل نفسه).
على السفارة والقنصلية أن لا تتحرج من زيارته، أو من طرح شكواه على المعنيين في المملكة. فالرجل يحمل الهوية اليمنية والجواز، وكان يعمل بطريقة مشروعة.
وكانت أسرة توفيق في اليمن حاولت التواصل مع السفير السعودي، عبر البريد الالكتروني، وعرضت عليه حالة العائل الوحيد لها، فوعدها خيراً، وأبدى استعداده للتواصل مع المعنيِّين بشأنه، بخلاف سفيرنا في الرياض الذي رد على رسالتهم بامتنان: شكراً لتواصلكم مع السفارة.
قبل 12 سنة كان توفيق طالباً في الثانوية العامة، ولكن لضعف الحال وتردي وضع الأسرة معيشياً ومادياً إضطره لمغادرة المحويت باتجاه حرض وتهرَّب الى السعودية بحثاً عن عمل. وحين تدرب على العمل في مزرعة النحل التابعة للسفياني في مكة، واطمأن إليه التاجر، أرسله الى اليمن ليعاود الدخول بصورة صحيحة. لكن ماهي إلاَّ سنتان وآل به المقام الى السجن في قضية قضاء وقدر.
بالطبع؛ لقد تزوج توفيق اندوسيتين ورزق من إحداهما 3 أبناء، هي الآن تعيش مع أقارب لها في الرياض، فيما الأخرى رُحلِّت الى جاكرتا قبل مدة- حد مصادر قريبة منه.
لا يتلقى سجين البلد الحرام أخباراً عن زوجته وأطفاله، إلاَّ ما يأتي من اليمن إذا ما تمكن من مهاتفتهم في لحظة حظ سانحة- ناهيك أنه يصاب بالحزن العميق وهو يرى جموع الزَّوار تقصد أقاربهم الى السجن، فيما هو محروم من زائريه البتة.
في رمضان الفائت؛ كان توفيق يشعر بسعادة غامرة. فقد تفاجأ بمقدم أبويه الى السجن زائرين له، وللبيت الحرام (معتمرين) رغماً عن الظروف الصعبة التي تحاصرهما منذ دخل السجن.
كانا يصليان عند الكعبة ويتضرعان إلى الله أن يأذن بإطلاق سراح ولديهما. وفي تلك الليالي المؤنسات حصل توفيق على مساعدة من حكومة المملكة. لقد دفعت عنه المبلغ كاملاً. وتملكه، كما زائريه الكريمين، شعور بقرب الفرج.
عادت الأم من الحرم مطمئنة تسابق الأب بخبر البشرى. فقد كانا يتوقعان اللحاق بهما في الأسبوع التالي، وظلا منتظرين بجوار سماعة الهاتف حتى ترن بصوت توفيق؟ لكن الصبر طال أمده والأسبوع الى الآن صار سنة.
أسرة العزكي تناشد وزارة المغتربين والخارجية لمساعدتها في الخروج من هذه النكبة التي حلت بتوفيق وضعضعت أجواء الأسرة الهادئة. وتمنت على النائب العام الذي تشعر إزاءه الكثير من الأسر بالامتنان بإطلاق المئات من السجناء، أن يتفضل بالتخاطب مع الجهات القضائية في المملكة لإطلاق سراح إبنها الشاب، لا سيما وليس ما يفيد أو يبرر بقائه.
وإذ تقدر هذه العائلة المشاعر الطيبة التي أبداها السفير السعودي في اليمن، لترجوا منه أن يتدخل، ولو بصورة خاصة، لدى سلطات بلاده.