إلى متى سنظل ندور في حلقات الوهم المفرغة؟ – يحيى سعيد السادة

إلى متى سنظل ندور في حلقات الوهم المفرغة؟ – يحيى سعيد السادة

من النادر جداً أن أعرج على قناتنا الفضائية لاسيما ما بين التاسعة والعاشرة والنصف مساء فترة نشرة أخبار الكون. فمنذ فترة ليست بالقصيرة كنت قد آليت على نفسي عدم متابعة تفاصيل تلك الأخبار، مكتفيا بعناوينها، كوني لا أقوى على الصمود كل هذا الوقت، ناهيك عن تجنبي الإصابة بآفة الغرور ومن ثم التعالي على الغير المتمثل بشعوب وحكومات الدول الشقيقة والصديقة جراء الإنجازات اليومية المنقطعة النظير في شتى المجالات الموثقة بالصوت والصورة لكم هائل من أحجار الأساس. المدعومة بأرقام المبالغ المالية المعتمدة لكل مشروع لدرجة إقحام فئة الفلس في اعتمادات تلك المشاريع مهما كان حجمها، سواء كانت عملاقة كما يسمونها أو ما دون ذلك. الأمر الذي يتعارض وإدراك أطفالنا بعدم أهمية هذه الفئة من العملة بحجة أن لا شيء يمكنهم شراؤه بها. بينما المسؤولون وكبار المقاولين لهم رؤية مغايرة؛ إذ يرون في احتسابها إضفاء لشرعية المشاريع والتأكيد على مصداقيتها لدرجة اعتقادهم أن بإمكانهم إيهام المواطن المنهك نتيجة الجهد الذي يبذله طيلة نهار يومه بحثا عن لقمة العيش التي أصبحت صعبة المنال في ظل ارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل بأن عتاولة المقاولات حريصون على مستحقاتهم من الفلسات أكثر من حرصهم على المليارات وكسورها من الملايين. إذ لم تعد مثل هذه الدعابات ضمن أولويات اهتمامات المواطن. كون همومه اليومية وهواجسه المستقبلية محصورة في كيفية مواجهة أعباء ومتطلبات معيشته التي طغت على نسبة كبيرة من مساحة تفكيره حتى وهو يتابع نشرة الكون لا يهمه من غثائها غير خبر قد ينتشله من وضعه المعيشي الراهن. ولكونه يومياً يبحث عن بصيص هذا الأمل. فإنه مضطر لمرافقة المسؤولين المناط بهم وضع أحجار الأساس من أول دورة تدور فيها عجلات سياراتهم الفارهة والمجهزة بأحدث وسائل الترفيه حتى الوصول إلى الحجر المبارك بعد أن يكون هذا المواطن الغلبان قد قطع البراري والقفار مقتفيا أثر ذلك المسؤول لا لشيء إلا لرؤية صاحب المعالي أو من يعلونه منزلة وهو يطبطب على رأس الحجر بعد أن يكون قد التقطها أحد المواطنين ووضعها في مكانها وسط تكبيرات وصيحات الرعية. لا أدري ما هي الحكمة من جرجرة المواطن الغلبان كل هذا الوقت وتلك المسافة طالما والمهمة لا تحتاج لأكثر من دقيقة هي مساحة الخبر. إذ نجد بقيه قنوات الكرة الأرضية عند هذا الوقت قد أشرفت على الانتهاء من سرد أخبارها كون الفترة المحددة لهذه الفقرة نصف ساعة فقط، مما يؤكد أن واضعي هذه الفترة الزمنية هم علماء وأخصائيون في علم النفس أخذوا في الحسبان قدرة المشاهد على تحمل هذا الوقت في إطار متابعته لبرنامج غير ترفيهي. مشكلة أحجار الأساس تلك أنها قد لا تصمد كثيرا، فالبعض منها قد لا ينبت ولا يثمر؛ إذ تتكفل بها العوامل الطبيعية. وإذا ما أثمر يوما فقد يعاد النظر فيه من قبل عباقرة السلطة لدرجة الحكم عليه بالاستغناء كمنشأة لا جدوى منها كما هو حال المنشأة الاستراتيجية الضخمة المسماة بصوامع الغلال؛ إذ تم بيعها للقطاع الخاص بثمن بخس دون معرفة الأسباب إن وجدت حتى الآن. هذه المنشأة يطلق عليها في مختلف دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية بالمنشأة الاستراتيجية، إذ يطلق هذا اللفظ على كل ما هو متعلق بأمن الدولة وسيادتها واستقرارها، إذ تعد هذه المنشأة واحدة من أهم المنشآت الضرورية لضمان واستقرار الوضع الداخلي لأي دولة؛ كونها تمثل المخزون الرئيس للمواد الأساسية لمواجهة الاحتياجات البشرية في مختلف الظروف. الأمن القومي لأي دولة يستند إلى عاملين: عامل الاستقرار السياسيي، وعامل الاستقرار الغذائي الذي يطلق عليه الاكتفاء الذاتي. ولكون دولتنا غير مكتفية ذاتيا من مواردها الزراعية إذ تعتمد اعتمادا شبه كلي على الخارج في تغطية احتياجاتها من المواد الأساسية وبالأخص القمح والدقيق، فإن الأمر يستدعي أن تمتلك أكثر من منشأة صوامع، كون هذا الخيار هو الوحيد الذي يمكن مواطنيها من المناورة والصمود فترة زمنية أطول إذا ما طرأت ظروف دولية لا سمح الله تحد من استيرادها لهاتين المادتين الحيويتين أو شكل حائل دون قيامها بذلك. فجميع دول العالم بما في ذلك الدول المنتجة للقمح تضع في أولويات مشاريعها تشييد أكثر من منشأة صوامع رغم اطمئنانها لعدم تعرض مواطنيها لمجاعات أو ضغوط خارجية تهدد أمنها واستقرارها للخطر. إذ تستفيد من هذا المشروع في تخزين منتجها لأطول فترة ممكنة بغية تزويد مواطنيها باحتياجاتهم ومن ثم فرض أسعارها عندما يتعلق الأمر بالتصدير إلى الدول التي تفتقر إلى هذه المادة وتعتمد كليا على الأسواق الخارجية نتيجة عدم قدرتها على إنتاج ولو جزء من احتياجاتها بحيث تتمكن من الإفلات ولو جزئيا من هيمنة وسيطرة واحتكار الدول المصدرة. إذن أهمية الصوامع لم تكن غائبة عن ذهن وتفكير الدولة عندما قررت وشرعت في بنائها قبل فترة من الزمن، إذ لم يأت هذا القرار من فراغ بل من مسلمات اقتصادية وأمنية بضرورة امتلاك مثل هذا المشروع الذي إذا ما أطلق عليه “العملاق” فهو كذلك لما له من أهمية مزدوجة سواء للدولة أم المواطن. إذا كانت الدول المنتجة حريصة على التمسك بمنشأتها فكيف بنا ونحن الدولة الفقيرة في كل شيء حتى في إنتاج هذه المادة التي لا تحتاج إلى تكنولوجيا معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة في ظل توفر الأرض الخصبة والمناخ المتنوع والإنسان العاشق للأرض كعشق آبائه وأجداده لها. قرار التخلي عن تلك المنشأة كلف الدولة والمواطن ثمنا باهظا قد يكون لتحولات الأسعار العالمية أخيرا إسهام في ما نحن عليه من فوضى سعرية إلا أن حرية التجارة التي أطلقتها الدولة دون سقف أو ضوابط لتلك الحرية لدرجة إعفاء نفسها تماما من توجيه نشاط هذا القطاع لأكثر من سبع سنوات مضت من خلال عدم الإشراف والتدقيق في نوعية المواد المستوردة ومدى جودتها ومطابقتها للمواصفات والتأكد من أسعارها في بلد المنشأ وتحديد هامش ربح لمختلف الفئات التجارية ناهيك عن تخليها عن صوامع التخزين كلها عوامل داخلية أسهمت كثيرا في هذا الارتفاع الجنوني. تصريحات الأخ وزير الصناعة والتجارة الدكتور يحيى المتوكل لصحيفة “الثورة” الصادرة يوم الاثنين الموافق 20يوليو 2007 المتضمنة قيام الحكومة حاليا بدراسة متطلبات إقامة صوامع لمواجهة الارتفاعات المتوالية في الأسعار من مادتي القمح والدقيق ولتوفير مخزون استراتيجي من هاتين المادتين على اعتبار أن مثل هذا المشروع يعد مطلبا استراتيجيا لا بد منه. هذا التصريح يعيدنا إلى المربع الأول عندما كانت الدولة تمتلك هذا المشروع على أرض الواقع ويفتح في ذات الوقت تساؤلات عدة بينما يلتقط منه إقرار الدولة ببعض الحقائق التي حاولت إخفاءها على طول فترة الأزمة. من تلك التساؤلات:
 – ما هو الدافع لاتخاذ قرار تصفية هذه المنشأة الهامة خاصة وأن الدولة الآن بصدد بناء هذا المشروع من جديد وبتكلفة تفوق أضعاف المبالغ التي بيعت بها المنشأة السابقة؟
– كم تكلفة بناء ذلك المشروع الذي تم تصفيته؟ وما هي القيمة الفعلية عند الشروع ببيعه؟ وكم المبلغ المورد لخزينة الدولة؟
تصريح الأخ الوزير أزاح الرماد عن الجمر فبدت الأشياء أكثر وضوحا وأكثر اتقادا؛ إذ أقرت الحكومة الحالية من خلاله استراتيجية هذا المشروع. الأهم من كل ذلك وأخطر ما جاء في التصريح، أن الارتفاعات المتوالية في الأسعار بحاجة إلى بناء صوامع لمواجهتها أي أن واحدا من الأسباب الرئيسية لتوالي ارتفاع الأسعار سببه عدم امتلاك الدولة لمثل هذا المشروع الحيوي. افتقار الدولة حاليا لهذا العنصر الأساسي والفعال في ردع ولجم القطاع التجاري دفع بالدولة إلى اعتماد المؤسسة الاقتصادية مستوردا وموزعا للمواد الأساسية بغية منافسة القطاع الخاص وكسر احتكاره. إلا أن هذا الإجراء يعد سيفا ذا حدين. إذ يتوقف نجاح هذا التوجه على مدى قدرة القائمين على إدارة هذه المؤسسة وفروعها في صد كثير من المتنفذين وأصحاب الوجاهات وكبار المتطفلين الباحثين عن حوالات بآلاف الأكياس تحت مبررات وحجج واهية، ومن خلال العلاقات الشخصية؛ كون هذا السلوك وفي هذا المضمار بالذات ما زال يعشعش في أذهان العديد ممن أثْروا في نهاية الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات من فوارق أسعار المواد التي كانت تغطيها الدولة بحوالي أربعمائة وخمسين مليون دولار سنوياً. اللعبة مختلفة الآن تماما، فأي إخلال بأسعار المواد الأساسية وبالذات التي مصدرها هذه المؤسسة، هي بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير، خاصة إذا ما عرفنا من هو المقصود بذاك البعير. إنه المواطن الذي يترنح يوميا من أحماله والذي لا تنقصه سوى تلك القشة لتوقعه على الأرض جثة هامدة.
نقول للهيئة المعنية بالفساد والفاسدين والتي باركها الأخ الرئيس وسخر لها كل الإمكانيات. ألا تستحق كثيرا من الملفات المثقلة بالأتربة الاقتراب منها والتلطف بحملها كي لا تتناثر أوراقها فيصبح الهواء متهما رئيسيا في مساعدة عناصر الفساد على الإفلات. قد يكون الهواء متطلبا من متطلبات فتح هذه الملفات إذا ما استعين به في إزاحة الغبار عن محتوياتها بحيث تبدو أكثر وضوحا. إذ من خلالها سيتكشف للجميع مدى حجم الدمار والخراب الذي لحق بالوطن ودفع به إلى هذا المنحدر المعيشي المخيف. ما لم تفتح تلك الملفات والتي تغص بها أدراج الجهاز المركزي، فإن كل مواطن سيصل إلى قناعة كاملة بأنه لا توجد خطوط حمر في هذا البلد. إذ أن كل الطرق مفتوحة وسالكه لوصول أي فاسد إلى ما هو ابعد من الثراء إذ لا شيء في حكم المستور حيث يجري اللعب على المكشوف وفي وضح النهار وعلى مرأى ومسمع الجمهور الذي يتعدى حضوره العشرين مليون. والذي لا يحق له الاقتراب من خطوط التماس. أي تباطؤ من قبل أعضاء هذه الهيئة في إعداد وتقديم موائد ولو موسمية لمختلف أصناف الفاسدين لتكتحل برؤيتهم أعين الجائعين والمظلومين وهم خلف أسوار السجون أو قضبان المحاكم، فإن هذه الهيئة وعلى المدى المنظور وغير المنظور ستشكل هي الأخرى حلقة من الحلقات المفرغة التي يدور فيها الوطن، وستجد نفسها حتما على مرمى فوهات الأقلام التي لم تستنفد ذخيرتها بعد من سائل الحبر الذي لا ينفد.
[email protected]