الإعلام اليمني بين الاحتكار والتعددية (1-2) – عبدالباري طاهر

الإعلام اليمني بين الاحتكار والتعددية (1-2) – عبدالباري طاهر

لم تعرف المتوكلية اليمنية 1918 – 1962 الإعلام الحديث إلا في حدوده الدنيا ومتأخراً.
فقد ورثت المتوكلية من الأتراك المطبعة ذات الأحرف والصف اليدوي. وطبعت بهذه المطبعة صحيفة الإيمان وفيما بعد “النصر” و”سبأ” وبعض الكتب ومجلة “الإيمان” 38 – 1943.
وعرفت عدن المطابع مبكرا وتحديدا منذ مطلع القرن العشرين. ولكن الصحافة العدنية كانت هي الأخرى بدايتها مع الحرب الكونية الثانية 39 – 1945.
كانت الأربعينيات بداية مؤشرات مهمة باتجاه نشأة التعددية السياسية والفكرية والصحافة الحرة. ففتاة الجزيرة وهي أول صحيفة أسبوعية في اليمن كلها قد صدرت في عدن في يناير 1940 وبعدها بست سنوات صدرت صوت اليمن لسان حال الجمعية اليمنية الكبرى (حزب الأحرار).
وشهدت المهاجر صدور عدة صحف وإصدارات في بريطانيا “السلام” التي أصدرها الشيخ عبد الله علي الحكيمي 1948. كما ولدت صحف المهَاجر الحضرمية في شرق آسيا وكانت الفترة من 1940 وحتى استقلال جنوب الوطن الفترة الذهبية للتعددية السياسية والفكرية والنقابية وحرية الرأي والتعبير في الصحافة العدنية التي أسست للتعددية في اليمن كلها.
فقد سمحت الإدارة البريطانية بحق الإصدار للصحف والمجلات والإبلاغ -بواسطة البريد- لتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات بدلا من حق التصريح المعمول به اليوم في الجمهورية اليمنية. فمجرد العلم والخبر كافٍ للإصدار أو التأسيس للحزب أو الجمعية أو النقابة أو الصحيفة.

الإعلام الحكومي
الإذاعة
عرفت اليمن البث الإذاعي لأول مرة عام 1940 عندما أنشأت الإدارة البريطانية محطة صغيرة في التواهي ” عدن ” لتغطية أخبار الحرب العالمية الثانية.
أما في صنعاء فقد أهدى وفد أميركي من شركة ارامكو جهازاً لاسلكيا يغطي في البدء خمس كيلو واط لإرسال البرقيات ويمكن استخدامه كإذاعة وذلك في العام 1946. وكرست الإذاعة لقراءة القرآن والموشحات الدينية والمارشات العسكرية ونشر التعليمات والقرارات الإمامية وبعض الأغاني في مرحلة متأخرة. وقد تحولت وظيفة الاذاعة180 درجة بقيام ثورة ال 26 من سبتمبر 1962. فالمتوكلية اليمنية كانت تعيش حالة نادرة فلا مواصلات حديثة ولا ترابط بين المناطق المختلفة، ولا وسائل للنقل باستثناء النقل التقليدي، ولا خطوط هاتف. وكانت الإذاعة التي تبث لساعات محددة هي وسيلة الاتصال شبه الوحيدة بين المملكة الهرمة وبين المناطق والجهاز الإداري والعسكري والأمني بالمعنى المجازي غاية في الضعف.
من هنا كان الاستيلاء على الإذاعة أهم من الاستيلاء على قصر دار البشائر (قصر الأمام الجديد محمد البدر) فالإمام عندما سمع بسقوط الإذاعة أيقن أن نصف دولته قد سقط. كما أن الشعب في مختلف المناطق والأرياف لا تربطه بالعاصمة إلا الإذاعة التي يسمع منها كل التبريكات والمبايعة والتهاني للإمام. وفجأة يسمع الناس البيانات العسكرية والإعلان عن قيام الجمهورية العربية اليمنية، فقد أصحبت الإذاعة نصف المعركة للشرعية الثورية الجديدة.
أما الصحافة في المتوكلية فقد كانت صحف “الإيمان» و”سبأ” و”النصر” هي أقرب للمناشير الدورية منها للصحافة. وكانت تصدر بضع مئات في بضع صفحات في نهاية كل شهر وتوزع فقط للإدارات الحكومية وكبار المسؤولين والمشتركين.
أما بعد ثورة سبتمبر 62م، فقد صدرت صحيفة الثورة في تعز ثم انتقلت بعد عام إلى صنعاء وكانت الإذاعة بالدرجة الأولى أداة الشرعية الثورية الأهم، في مجتمع تتجاوز فيه الأمية ال90% في الرجال وتقترب من ال100% في النساء.
في الجنوب وتحديدا بعد الاستقلال 30 نوفمبر 67 انفردت الجبهة القومية بالحكم وألغت التعددية السياسية والحزبية، وهيمنت على الحياة ووسائل التعبير ومنها وسائل الإعلام، التي أصبحت جزءاً من شرعية الحكم وأداة التحويل الثوري شأن الحزب نفسه.
إلغاء التعددية السياسية والحزبية والفكرية وتأميم واحتكار وسائل الإعلام كانت تمثل كعب أخيل في الثورة القومية الاستبدادية. وقد أضافت إليها الشيء الكثير من ” دكتاتورية الحزب الفولاذي ” الآتية من طبيعتها المتخلفة واللاديمقراطية ومن التجربة الستالينية أيضا.
اختلف النظامان في صنعاء وعدن على كل شيء في السياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة ولكنهما اتفقا على شيء واحد وحيد، هو قمع الحريات ومصادرة الرأي الآخر.
كانت البداية الحقيقة مع إعلان دولة الوحدة عام 1990 فقد اقر بيان الثلاثين من نوفمبر 89 ودستور دولة الوحدة. بل قامت الوحدة في ال 22 من مايو 90 على حق التعددية السياسية والحزبية واحترام حرية الرأي والتعبير وبموجب المادة (……..) من الدستور فقد أعلنت الأحزاب السرية عن نفسها، وتأسست أحزاب جديدة، وصدرت عشرات الصحف، كما جرى الترخيص لأكثر من مائة صحيفة. ولكن الأهم أن لا الدستور اليمني ولا قانون الصحافة قد تكلم عن تعددية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. فقد توافق الحزبان الكبيران: المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي؛ وبالتالي حكومة الوحدة على بقاء الإذاعة والتلفزيون والصحف الحكومية التابعة لهما خارج التعددية تعود ملكيتها للدولة. فالتلفزيون في عدن (القناة الثانية) وتلفزيون صنعاء (القناة الأولى) وإذاعتا عدن وصنعاء فضلاً عن عدة إذاعات محلية في العديد من المحافظات والمدن الرئيسية، بقيت مملوكة للدولة وممولة منها.
كما أن الصحف الحكومية هي الأخرى بقيت في ملكية الدولة وتدار بواسطة وزارة الإعلام رغم وجود مؤسسات خاصة بها: أكتوبر – عدن، الجمهورية – تعز والثورة – صنعاء، علاوة على الوكالة الوحيدة بعد الوحدة وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” وتحتكر الوكالة الخبر ويعطى لها هذا الحق بموجب السياسات الإعلامية لوزارة الإعلام.

التلفزيون
شهدت عدن التلفزيون في العام 64؛ ويعتبر من أقدم التلفزيونات في الجزيرة والخليج وشرق أفريقيا. أما تلفزيون صنعاء فيعود إلى العام 1975. وكلا القناتين حكومية. ورغم التعددية السياسية والحزبية فإن القناتين ظلتا بعيدتين عن الهامش الديمقراطي أو الحرية الإعلامية.
وتتعامل الدولة مع التلفزيون كأداة محتكرة للحكم وحزبه، بعيداً عن أي تعدد أو قبول بالآخر أو بالمشاركة من أي نوع. والخبر الحكومي وتحركات كبار المسؤولين وبالأخص الرئيس ورجال الحكم له الأولوية على أي وظيفة أخرى اجتماعية أو ثقافية أو سياسية.
ولا تقبل الدولة الحديث -مجرد الحديث، بل ولا تتصور- عن التخلي عن احتكار التلفزيون والإذاعة بصورة خاصة والصحافة الحكومية بصورة أعم. وللأسف الشديد فإن المطالبة والدعوات إلى عدم احتكار وسائل الإعلام، وبالأخص المسموعة والمقروءة، ما تزال محدودة وضعيفة في مجتمع عربي تصل فيه الأمية الأبجدية إلى 60 %، أما الأمية المعرفية فسيدة الموقف وتتجاوز ال 80 %. ويكفي أن نعرف أن أعظم مفكر كطه حسين أو روائي كنجيب محفوظ أو شاعر كصلاح عبد الصبور أو البردوني أو درويش لا يطبع أكثر من خمسة آلاف نسخة.
وتعتبر الإذاعة والتلفزيون خطاً احمر في نظر الدولة العربية المستبدة وتحاذر المعارضة السياسية والنقابات الصحفية الرسمية وشبه الرسمية الاقتراب منه.
وحقيقة فإن الدساتير الوطنية والقوانين في الوطن العربي أو الأوطان العربية، ومنها اليمن لا تطرح هذه القضية على الإطلاق.