قانون «وإنْ حدْ تعرّضْ بكلمة، قالْ ذولا دجاجي» أو المكارثية على الطريقة اليمنية (1-2) – د. سعودي علي عبيد

قانون «وإنْ حدْ تعرّضْ بكلمة، قالْ ذولا دجاجي» أو المكارثية على الطريقة اليمنية (1-2) – د. سعودي علي عبيد

بدلاً من توفير الوقت والجهد والمال لوضع السياسات المختلفة والمعالجات السليمة، لتحرير رقبة هذا الشعب المسكين، والمغلوب على أمره مما هو فيه، من معاناة وفقر وبؤس وبطالة وتخلف، نجد السلطة مهتمة –بشكلٍ عجيب وغريب لا يخلو من هستيريا– بصرف هذا الوقت والجهد والمال باتجاه وضع قوانين استبدادية كابتة، ليس فقط لما تبقى مما يطلق عليه مجازاً وخداعاً بالهامش الديمقراطي، ولكنها أيضاً ذاهبة (هذه السلطة) نحو تكميم الأفواه، وإذا أمكن سد كل منافذ الأكسجين علينا.
 وحديثنا هنا يذهب إلى مناقشة ما تحيكه السلطة، باتجاه اقتراف جريمة بشعة، أو قل إنها أبشع جريمة على الإطلاق في تاريخنا المعاصر، بعد “قانون العيبـ” الساداتي، سيئ السمعة. ونقصد بذلك ما تحضِّر له السلطة لإصدار قانون يسمى بـ”قانون حماية الوحدة الوطنية”. فما هي الدوافع والأسباب الحقيقية لحماس السلطة لإصدار هذا القانون؟ وما هي أهم مكوناته؟ وما هي الأهداف المباشرة وغير المباشرة لوجود مثل هذا القانون؟
 
أولاً: الدوافع والأسباب الحقيقية لإصدار قانون “حماية الوحدة الوطنية”
 إذا ذهبنا مباشرة إلى تسمية هذا القانون المعني بمناقشتنا، فسنجد أنه يدلّ على أمرين: الأول أنه يهدف إلى حماية الوحدة الوطنية، في إطار مكوَّن سياسي، هو “الجمهورية اليمنية”. أما الأمر الثاني فإنه يؤكد أنّ الوحدة الوطنية لهذا الكيان، معرضة للخطر، والتهديد إما من الداخل وإما من الخارج، أو من كليهما.
 وباعتبار أنّ السلطة قد أثبتت لنا في أكثر من تجربة، أنها غير معنية بحماية السيادة الوطنية من أي خطرٍ خارجي، لذلك يبقى أنّ هذا الأمر محصور بخوف السلطة من الداخل. وبالتالي من هنا برزت حاجتها لمثل هكذا القانون.
 وبرغم هذا التوضيح أو التفسير المسطَّر أعلاه، إلا أنّ ذلك ليس كافياً، بحيث تكون الصورة واضحة وجليّة لنا، ولأنّ ذلك يجرّ معه قائمة طويلة من الأسئلة، ولكننا سنكتفي بأهمها:
1 – ما هي الوحدة الوطنية كمفهوم ومصطلح؟ وكيف يفهم كلٌّ من الحاكم والسلطة الوحدة الوطنية؟
2 – وحدة وطنية لأي كيان سياسي؟ بمعنى: هل هي خاصة بكيان دولة الوحدة (الجمهورية اليمنية)، المؤسسة على الاتفاقيات المبرمة بين النظامين السياسيين قبل 22مايو1990؟ أم المقصود به كيان “الجمهورية اليمنية” في وضعه الراهن، أي الكيان الذي تم اختطافه وتجييره لصالح الحاكم وأسرته، بواسطة الحرب والتعديلات الدستورية، التي لم تُبْقِ من دستور دولة الوحدة المستفتى عليه سوى خمس مواد فقط؟
3 – وإذا عدنا ثانيةً إلى مفهوم ومصطلح “الوحدة الوطنية”، وبشكل خاص فيما يخص فهم كلٍّ من السلطة والحاكم لهذا المفهوم، مع اتفاقنا على أنّ ما مقصود بالوحدة الوطنية، هو الجانب الجواني (الداخلي) منها، وليس الجانب البراني (الخارجي)، فإنّ ذلك يفسر لنا تخوف كلّ من السلطة والحاكم من تصدُّع أو تشظي أو تجزئة كيان دولة الجمهورية اليمنية، إلا أن هذا أو هذه الدولة، لا تمت بصلة إلى الكيان أو الدولة المؤسسة في مايو1990، إلا من حيث الشكل.
 وبما أنّ هذه “الوحدة الوطنية” المطروحة، ليس لها علاقة بكيان دولة الوحدة المؤسسة في مايو1990، لذلك فهي لا تعنينا نحن شعب الجنوب، ذلك لأننا مستثنون منها بفعل حرب صيف1994، أي أننا نقع خارج اهتمام هذه “الوحدة الوطنية”، ولكنها تستهدف انتزاع ما تبقى لدينا من قيمة، وهي قيمة “النضال من أجل حريتنا المسلوبة والمستباحة”.
 وإذا تذكّرنا ما كان يتندر به العالم، على كيان “الجمهورية العربية اليمنية” منذ تأسيسه في سبتمبر1962 حتى عشية الوحدة، من أنّ سلطة الحكومة لا تتجاوز بالكاد مدينة صنعاء، ومع ذلك لم نسمع أنّ السلطة أو الحاكم، قد تحدثا عن الحاجة إلى حماية الوحدة الوطنية، برغم الغياب الكلي لهذه الوحدة الوطنية.
 ومع علمنا بأنّ نظام صنعاء قد خاض حرباً شرسة ضد الجنوب في صيف 1994، واستكملها باجتياحه لأراضي الجنوب وإعلان نصره عليه في 7 يوليو من العام نفسه، بذريعة مطالبة شعب الجنوب بالانفصال، ومع ذلك لم تطرح مسألة الوحدة الوطنية وحمايتها، وسبب ذلك يعود إلى اعتقاد الحاكم، بأنه قد حقق هدفه المطلوب، وهو طمس هوية الجنوب بفعل تلك الحرب.
 وإذا تذكّرنا أيضاً أنّ كيان “الجمهورية اليمنية”، وخاصة منذ عام 1994 يعيش وضعاً سياسياً وأمنياً غير مستقر (أعمال إرهابية، اختطافات للأجانب، تمردات في أكثر من منطقة، الحرب على صعدة، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية)، ومع ذلك أيضاً لم تطرح مسألة حماية الوحدة الوطنية. فأين يكمن السر؟ أو ما هي الدوافع والأسباب الحقيقية، لبروز هذه النزعة لدى الحاكم الآن بالذات؟
 يمكننا القول وبكل ثقة، إنّ الدوافع والأسباب الحقيقية لاهتمام السلطة والحاكم، بإصدار القانون سيئ الصيت والهدف، الموسوم بـ”قانون حماية الوحدة الوطنية”، يكمن في أنّ ذلك المسمّى بـ”الجنوبـ”، وبفضل شعبه الحي، قد استنهض قواه وتاق إلى الحرية، وبدأ يناضل من أجل الحصول عليها. ومن هنا، فإنّ الاعتصامات ومهرجانات التسامح والتصالح، وتشكيل جمعيات المتقاعدين قسراً، وخريجي الجامعات والمعاهد والثانوية العاطلين عن العمل، وكذلك الذين سلبت وظائفهم ومراكزهم القيادية، لصالح الوافدين من خارج الجنوب، كل ذلك ليس سوى الخطوة الأولى، في سبيل الوصول إلى هدفنا السامي، ألا وهو”الحرية”.
 وبرغم أنّ السلطة قد أخرجت في تاريخ 2 اغسطس مختلف أدواتها القمعية، واستخدمتها في مواجهة وضد شعبنا في الجنوب، الذي لم يكن يملك سوى الهتاف والحجارة أحياناً للدفاع عن ذاته، إلا أنّ هذه السلطة، قد أدركت أنها الخاسرة في هذه المرة، ذلك لأنها تقف اليوم في مواجهة شعب، يمتلك الإرادة والتصميم على تحقيق حريته مهما كانت التضحيات، ذلك لأنّ الحرية لم تكن في يوم من الأيام قد وهبت لطالبها.

ثانياً: قانون “حماية الوحدة الوطنية”.. مضمونه ومكوناته
 مرة أخرى نذكِّر بأنّ دواعي هذا القانون، هو خوف السلطة والحاكم على كيان الدولة من التشظي والتناثر والتجزئة. وبما أننا قد توصلنا إلى حقيقة منطقية وواقعية، من أنَّ كيان الدولة الراهن، أو كما يُطلق عليه بـ”دولة الوحدة”، ليس هو الكيان السياسي المؤسس في مايو 1990، وذلك بعد أن تمّ استعادة كيان “الجمهورية العربية اليمنية”، ولكن بعد احتلال الجنوب وضمه إلى هذا الكيان. وتأسيساً على ذلك، فإنّ مضمون هذا القانون قد تحدد من خلال هدفين: أحدهما واهم وخادع، أما الآخر فحقيقي.
 فالهدف الواهم والخادع لهذا القانون، يتمثل بأنّ تحقيق حماية الوحدة الوطنية من التشظي والتناثر والتجزئة، سيؤدي حتماً إلى حماية الوحدة اليمنية وكيانها المتمثل بـ”الجمهورية اليمنية”. أما الهدف الحقيقي والعياني لهذا القانون، فيتمثل بالحفاظ على الكيان السياسي المستعاد بالقوة والحرب، أي كيان “الجمهورية العربية اليمنية”، ولكن بعد توسيعه وتعظيمه بواسطة احتلال الجنوب. ومن هنا فالأول خادع وواهم، لأنه بالأساس لا توجد وحدة يمنية. أما الثاني فهو حقيقي، لأن ما هو مستهدف موجود، أي “الجمهورية العربية اليمنية”.
 أما فيما يخص مكونات هذا القانون، فإنني أتصور أن يشتمل بعد الديباجة على مواد قانونية، تشير إلى دواعي وأسباب إصدار هذا القانون، الذي يمكن أن نجملها بأنها الدفاع عن الثوابت الوطنية، التي غالباً ما يتم تحديدها بـ”الجمهورية والديمقراطية والوحدة”. وفي ضوء هذه الثوابت، سوف يحدد القانون كيفية تعامل المواطنين مع هذه الثوابت. كما سيتم أيضاً تحديد الكيفية التي يجب أن تتناول فيها مختلف وسائل الإعلام، وخاصة الصحافة الحزبية والأهلية، وأصحاب الرأي وأحزاب المعارضة لهذه الثوابت.
 وعلى أساس ذلك سيتم توصيف أي نقد لممارسة السلطة أو الحاكم أو الحزب الحاكم –وخاصة فيما يخص علاقة الجهات المذكورة– باعتبارها جرائم، وعلى أساس ذلك سيحدد القانون عقوبات مباشرة مقابل كلِّ جريمة حددها هذا القانون.
 وإذا كان هذا هو موقف السلطة، فما هو موقفنا من هذا القانون؟ إلا أنه قبل ذلك، ينبغي علينا معالجة مفهوم “الثوابت الوطنية”. وبما أنّ السلطة الحاكمة والحاكم قد حددا هذه الثوابت بمفردات “الجمهورية والديمقراطية والوحدة”، لذا فإنه يتطلب منّا إثبات وجودها وتجسيدها في الواقع من عدمها. ولأننا لسنا بصدد كتابة بحث علمي، فإننا سنكتفي بتناول هذه المسألة بدرجة من التكثيف الشديد.