الرئيس وحكومة الريالات!! – عارف أبو حاتم

الرئيس وحكومة الريالات!! – عارف أبو حاتم

جرت العادة أن نرى الرئيس علي عبدالله صالح يوجه في كل شيء، حتى في أدق التفاصيل، هو من يتابعها من الأساس إلى الافتتاح. طيلة ثلاثة عقود ونحن نجده في متابعة مستمرة لكل ما يجري في البلاد، بصرف النظر عن نتائج هذه المتابعة، فالسؤال المستمر عن كل ما يعتمل ويدور في اليمن بحد ذاته شيء إيجابي، لا نملك حياله إلا أن نحترم هذا الرجل.
 فمثلاً يزور حضرموت ويعجب بتجربة الحكم المحلي فيها، فيوجه وزارة الإدارة المحلية بالاستفادة من هذه التجربة، وتعميمها، ثم يذهب عميقاً في الوادي فيسأل عن زارعة النخيل لهذا الموسم ويوجه وزارة الزراعة بأداء دورها وتلبية احتياجات المزارعين، ويتفقد صيادي المهرة ويوجه ويسأل وزارة الثروة السمكية ما الذي فعلته للصيادين، يطوف بأروقة جامعة عدن فيقول: “وجهنا ببناء قاعات إضافية، وتحديث المعاملـ”. وفي عودته من تعز إلى إب، يصرخ في وجه محافظ الأخيرة: “أصلحوا مجاري القاعدة، عدة مرات نقول لكم أصلحوا مجاري القاعدة، وطريق النادرة – الشعر أين ذهبت؟”. يصل ذمار فيفتتح حديثه بالسؤال الدائم: “إلى أين وصلتم في طريق ذمار – الحسينية؟ هذه ستحل معضلة كبيرة يعانيها الناس”. يعود إلى صنعاء عند هطول الأمطار، فيذهب بنفسه ليتفقد السدود والحواجز المائية، يسأل ويوجه، وأحياناً يقسو ويوبخ، وفي الحالتين الرجل على حق.
 وما لم يولد من الأسئلة في ذهن الرئيس، يولد في أذهان الناس، وهو السؤال الطبيعي، المنطقي: أين الوزراء والمحافظون والمسؤولون؟ لماذا لا يعي كل واحد منهم أولوياته أولاً، وواجباته ثانياً؟ أليس هناك رئيس للحكومة وتحت سلطته وزراء، وهناك محافظون وتحت سلطتهم مدراء عموم؟ لماذا ينتظرون مجيء الرئيس ليحل كل صغيرة وكبيرة؟ ما الذي يفعلونه طوال العام في مكاتبهم؟ وإلى أين تجرف الرياح ميزانيات مؤسساتهم؟ هل يتفرغون للفساد والاتجار بالمال العام فقط، ليأتي بعد ذلك “حلاّل العقد” ويحل مشاكلهم؟!
 الرئيس ليس رجلاً مركزياً، ولا يحتكر كل شيء في يده، لكن الجماعة “ركنوا على الفقي”، أعجبهم الطعم، أن معهم رئيس يصحو عند الفجر، ليأخذ برنامجه الرياضي، ثم يبدأ بممارسة مهامه، وكبار موظفي الدولة يحضرون إلى مكاتبهم بعد العاشرة، ودوامهم ساعة ونصف، والدخول إليهم أصعب من دخول الجنة، وبعد الدوام جلسة قات خاصة جداً، وبعد القات “سهرة مشفرة”. والحمد لله علي عبدالله صالح يشتغل رئيس دولة، ووزير، ومحافظ، ومدير عام، وفي كل المجالات والتخصصات!!
 ما يفعله كبار موظفي الدولة هو الإساءة البالغة لشخص الرئيس، فهم يقدمونه للناس بصورة رجل مركزي، يقبض على كل شيء: من المال إلى الأرواح، وكأنه إمام آخر. نعم، الإمام كان يفعل ذلك، يتحدث طلعت يعقوب الغصين في مذكراته الهامة “خمس جنسيات والوطن واحد” عن تجربته في اليمن، حين كان يعمل معلماً، ثم مترجماً للإمام أحمد، فمساعداً هاماً في وزارة خارجية مولانا. يروي الغصين أن بغلته رفضت أكل العشب الذي لديه، فذهب بنفسه إلى قصر الإمام يطلب تغييره، بعشب آخر، فرد عليه حارس الحظيرة: “انتظر لوما نستأذن مولانا!”. وقبلها ظل الغصين وأختاه عالقين يومين في جمارك الراهدة، لم يسمح لهم بدخول اليمن الشمالي، إلا بموافقة مولانا الذي تأخرت “برقية موافقته”… هكذا قبض الإمام على كل شيء، وعندما مات انهار كل شيء، لم يكن لديه مؤسسات تمسك أركان دولته من الانهيار.
 ما حدث في خلال هذا الشهر، يدعوني للكتابة عن النشاط الدءوب والمتابعة المستمرة للرئيس، في مقابل كسل المسؤولين اليوم، ومركزية الإمام بالأمس.
 قضيتا المتقاعدين العسكريين والأمنيين والمدنيين، ونهب أراضي الناس في عدن وأبين، ليستا حدثاً عارضاً، بل انصهارات معادن تحت الأرض، من الممكن أن تقود إلى بركان لا مدى لغضبه وأضراره!!
 مَن قاعد هؤلاء؟ ومَن نهب أراضي أولئك؟ أين الوزراء والمحافظون المعنيون طوال هذه السنوات؟ لماذا تراكنوا حتى يأتي الرئيس ليحل قضايا الناس؟ ألم يكونوا مظلومين؟ وماذا لو لم يتدخل الرئيس ويعيد المتقاعدين إلى وظائفهم، ويشكل لجنة لحل قضية الأراضي؟!
 الجمعة الماضي قدمت وزيرة الصحة في الكويت، معصومة المبارك، مثلاً قابلاً للاقتداء والتصدير، حين تجاسرت وقدمت استقالتها من منصبها بعد حريق اندلع في مستشفى الجهراء، أدى إلى وفاة شخصين فقط. نزاهة السيدة المعصومة عصمتها من درن الفساد وحب السلطة، واستشعرت مسؤوليتها، وحفظت ماء وجهها الجميل.
 في الكويت نظام حكم وراثي، لكنه مبرأ من صفة الاستبداد، فهناك ديمقراطية فريدة: البرلمان قادر على استجواب وإسقاط وزراء وحكومات، فاستقالة المعصومة هي الثالثة من نوعها خلال أربعة أشهر، والرابعة في أقل من سنة، وقبلها استقال وزراء النفط والإعلام والمواصلات، وقبلهم بزمن استقال وزير نفط آخر بعد انفجار أنبوب نفط، لأنهم يعرفون جيداً ماذا يعني استجواب وزير في مجلس الأمة.
 البرلمان اليمني أكثر صلاحيةً، وأكبر عجزاً، فهو لم يستجوب وزيراً واحداً طوال تاريخه، وإنما تتم مساءلتهم فقط، وكأن البلاد خالية من الفساد والفضائح!!
 هل تتذكرون حريق جهاز طبي حديث خاص بمرضى السرطان في أروقة المستشفى الجمهوري بصنعاء؟ الجهاز احترق داخل صندوقه، كنت أظن حينها أن الوزير المنيباري سيحرق نفسه هرباً من الفضيحة. فضائح المستشفيات الحكومية والخاصة تدعو المسؤولين إلى الانتحار، كأقل واجب، لكنهم لم ولن يفعلوا. التنافس بين وزاراتنا قائم على قدم وساق، لكنه تنافس على الفضائح، وهي قيمة متباينة بين وزارة وأخرى، ففضائح وزارة الأشغال والطرق لا ينافسها أحد، إذ بمجرد هطول المطر على العاصمة ربع ساعة فقط، تغرق الشوارع، ويسقط بعضها، وتزهق أرواح ونساء وأطفال في البيارات ومصبات السيول. أهذه وزارة ينخلع فيها أسفلت مداخل محافظة إب بعد يومين فقط من خروج الرئيس محتفلاً بالعيد ال17 لوحدة يمن ال22 من مايو؟!
 ووزارة الكهرباء، ألا يكفي خجلاً أمام العالم أن تنطفئ كهرباء العاصمة كل يوم وليلة لساعات طوال، فضلاً عن بقية مدن البلاد؟! ومع ذلك يصر “بهرانيوم” على إنشاء مفاعل نووية.
 ليس صحيحاً أن قوة الكهرباء في اليمن 220 فولت، لكنها تستطيع أن ترفع الضغط لدى الناس إلى 280 درجة.
 أما وزارة السياحة ففضائحها تحتاج إلى كتاب خاص من عشرة مجلدات!!
 ثم ماذا؟ فضائح وعجز وزارات: التجارة والصناعة، المياه، الأسماك، الداخلية، والعدل، وغيرها، وهذا ما لا أرغب في الخوض فيه، لأني أشفق على رئيس دولة هو عمودها الفقري، وكل ما فيها من مسؤولين، رغم دعواته المتكررة لإنهاء المركزية، وبناء دولة المؤسسات.
 وما لا أشفق فيه هو: صفاقة الفاسدين. لماذا لا يستقيلون فيريحوا ويرتاحوا؟ أم أن الجلد الصفيق، والوجه “الربلـ” أكسبهم مناعة ضد الشعور بالمسؤولية، لذا نجد للمسؤول الفاسد وجهاً من “ربلـ”؟ تنتقد، تشتم، تلطم، تهين، تفضح… لا فائدة، “ربلـ” لا يحس، “يمتط ويرجع” كما كان، “مسؤولاً فاسداً”!!
[email protected]