وقت إضافي خلف مقود تاكسي متهالك – عبدالعزيز المجيدي

وقت إضافي خلف مقود تاكسي متهالك – عبدالعزيز المجيدي

ينفق سيف عبد الله، وهو سائق تاكسي، الكثير من وقته اليومي على أمل توفير احتياجات أسرته التي تنتظره في القرية كل شهر على الأقل. لكنه الآن يواجه شعورا مريرا بالإخفاق.
ففي حين كان ينوي العودة إلى القرية كما هو مقرر بعد كل فترة من العمل، باغته بلاغ يفيد بخلو منزله من المواد الأساسية.
إن ذلك يعني بالنسبة للرجل أن محاولته الإفلات من البقاء مدة طويلة خلف مقود السيارة لزيارة أسرته، باءت بالفشل.
ظهيرة آخر يوم أحد من يوليو الفائت كانت مدينة تعز تنعم بتساقط مطر كثيف بعد ساعات مختنقة بالحرارة. فيما كان سيف يمارس عمله الوحيد، وقلبه يحلق في قريته (جبل حبشي) التي تفصله عنها شحة الإمكانيات المالية وبضعة عشر كيلومترات.
يا رب يكون هذا المطر في القرية”. أمنية أطلقها “سيف” تشبه بساطته الريفية حينما كان يقلني والزميل صلاح الدين الدكاك في مشوار داخل المدينة.
إنه، وكما يعتصر عمرا ومعاناة لموافاة القرية بثمرة كفاحه في المدينة، يتمنى كل قطرة ماء تهطل هنا تصب سيلا في مسقط رأسه حيث الناس والأرض أكثر ظمأ وحاجة للاخضرار.
كما معظم اليمنيين، فالرجل لا يعرف عمره على وجه التحديد، ويستنتج مما هو مدون في بطاقته الشخصية وفقا لذاكرته أنه يبلغ “يمكن خمسين سنة”. غير أن “سيف” على يقين من أنه أمضى 17 سنة من عمره المنقضي خلف مقود هذه السيارة التي تحدث الكثير من الضوضاء في أشيائها الداخلية.
حتى ما قبل عام 90 كان “سيف” مهاجرا في السعودية كحال أكثر من مليون مواطن راودتهم الطمأنينة حيال المستقبل هناك قبل أن تداهمهم الكارثة.
عقب اجتياح قوات الرئيس الصريع صدام حسين للكويت في 2 أغسطس عام 1990 تغير الوضع كليا: أفرغت السلطات هناك نقمتها السياسية على رعايا اليمن، وألغت بعض البلدان -كالسعودية- امتيازات استثنائية، واستبدلتها بنظام إقامة جديد.
كان الأمر قاسيا بالنسبة لمغتربين اعتادوا الدخول والخروج في أي وقت إلى أراضي المملكة. وقد عاد “سيف” ضمن مئات الآلاف من المغتربين في دول الخليج إلى الوطن. وفي الواقع فإن المغتربين دفعوا فاتورة باهظة الكلفة على خلفية مواقف بلدهم السياسية حيال الغزو.
لقد كان الحدث مباغتا، وعلى نحو لم يسعف المغترب السابق للعودة بأكثر من سيارة كرسيدا موديل 79. إنها تذكّره بالنكبة التي حلت على رأسه، لكن ما من مفر من صحبتها، فهي من تسنده وأسرته حتى الآن في وجه ظروف شديدة القسوة.
في بلد ترتفع فيه نسبة البطالة إلى حوالي 45% بحسب إحصاءات متداولة، ويقع أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، فإن الرجل يبذل جهدا شاقا للصمود في وجه تقلبات معيشية عاصفة.
يعول “سيف” 8 أولاد، أكبرهم كان في الصف الأخير من المرحلة الثانوية قبل أن يقرر الرحيل إلى دولة مجاورة عن طريق البر في غمرة الانشغال بتوفير القوت الضروري؛ ربما لم يعد الآباء يهتمون بتعليم أبنائهم: سائق التاكسي أكد جهله عما إذا كان ابنه قد أكمل دراسته الثانوية أم لا. لعل الأمر لم يعد مشجعا للاثنين معا.
قبل أكثر من عام فضل ولده تجريب طريقة باتت رائجة في أوساط اليمنيين من جميع الأعمار، للتخفيف من وطأة مشاكل معيشية خانقة هنا.
تسلل إلى الأراضي السعودية رفقة آخرين طلبا للعمل، وحسب الأب فإن ابنه قضى فيها سنة ثم عاد بعد القبض عليه، ربما وفر شيئا من النقود، لكنه واجه معاملة سيئة.
 “اللي يتهربوا للسعودية يتبهذلوا كثير”. قال لنا ذلك “سيف” ناقلا ما أخبره ولده عن رحلته التي انتهت باقتناعه بالبقاء في اليمن والبحث عن “أي شغل في البلاد”.
 يكافح “سيف” لمساعدة أسرته على العيش بالحد الأدنى، وفيما تبدو سيارته غير قادرة على الصمود لزمن أطول، فإن الأوضاع العامة وتدهور الحياة المعيشية هي الأخرى تضعه على الأرجح في المواجهة لظروف أشد قسوة في قادم الأيام.
“الأسعار نار، وكل يوم فيه ارتفاع” قال “سيف” مشتكيا من غلاء يتصاعد منذ حوالي العام. وأضاف: “الكيس البر كان قبل الانتخابات ب2400 واليوم قيمة الكيس 4500ريالـ”.
 فضلاً عن ذلك فإن على الرجل أن يوفر مصاريفه الشخصية ومصاريف السيارة التي تأخذ قسطا وافرا من المردود لقدمها.
خلال الشهر الماضي اضطر “سيف” لشراء المواد الغذائية الأساسية لبيته دينا من أحد معارفه: نصف كيس دقيق استرالي، نصف كيس قمح، قطمة رز، وأشياء أخرى، كلفته التنازل لزمن إضافي عن أشواقه لزيارة أسرته.
كل يوم يجلس محشورا خلف مقود السيارة “اليابس” فيما رأسه يلاصق سقف الكرسيدا، في وضع يشبه حالة ضيق متبادل بين الرجل وسيارته.
قبل أشهر شعر سائق التاكسي باقتراب ساعة الخلاص من هذا الوضع على وقع حديث لاح عن اعتزام الحكومة منح أصحاب السيارات القديمة قروضا لشراء أخرى جديدة.
“كانوا يقولوا بايأخذوا 60 ألف ريال كل شهر، قسط من قيمة السيارة” قال سيف بشيء من عدم الاكتراث وهو يتحدث عن الفكرة التي يبدو أنها لم تكن أكثر من شائعة.
هو مسكون الآن بسداد دينه، وتوفير ما يمكنه من الاستراحة ولو لأسبوع بعيدا عن ضجيج طراز قديم لسيارة متهالكة، وعمر يفنى بملاحقة الكفاف.
[email protected]