مقابل «الوحدة أو الموت» فلنرفع عالياً «الحرية أو الحرية» – د. سعودي علي عبيد

مقابل «الوحدة أو الموت» فلنرفع عالياً «الحرية أو الحرية» – د. سعودي علي عبيد

في العدد 20093 من صحيفة “السياسية” الصادرة عن وكالة الأنباء اليمنية “سبأ”، اطلعت على موضوع في آخر صفحة منها، بعنوان “فصل الخطابـ” لسالم باجميل. والموضوع برمته غير ذي أهمية، لأنه عبارة عن خطاب سياسي وأيديولوجي مستهلك، وقد تغذينا عليه لفترة طويلة في الحركات السياسية القومية واليسارية، التي انتمينا إليها حيناً من الدهر. وقد تاها في الطريق (أي الخطاب والحركات)، ولم يبقَ من تلك الحركات سوى الأطلال. والغريب أنّ النظام السياسي الحاكم في صنعاء، صار الوريث الشرعي لتلك الحركات المذكورة، ولكن فقط في رفع اليافطات والشعارات وفي الخطاب السياسي والأيديولوجي. وزاد عليها إنتاجه لمنظومة من النعوت والشتائم، بعد أن ظلَّ لفترة طويلة العدو اللدود لتلك الحركات، بل وذابحها وسالخها عند كلّ فرصة كانت تسنح له.
 وعودة إلى ما قلته سابقاً، فإنّ ما لفت انتباهي هما الملاحظتان الأخيرتان، اللتان وضعهما كاتب الموضوع، وكأنهما بديهيتان منطقيتان أو بمثابة نظريات رياضية فيثاغورية، مع أنّ الموضوع بشكلٍ عام، هو خليط من المدح والرثاء على الجسد المسجّى، الموسوم تارة بالوحدة اليمنية وتارة بإعادة توحيد اليمن. وهناك فرق بين الحالتين.
  وحتى يستطيع القارئ الكريم متابعة مناقشتنا للموضوع المذكور، فإنه يتطلب منا إعادة كتابة الفقرتين المعنيتين بالمناقشة، مع الاعتذار للقارئ لطولهما غير المبرر. ولكن للضرورة أحكامها.
الأولى: “… وكان الرئيس علي عبد الله صالح قد قال مراراً وتكراراً إنه لا يمكن التسامح أو التساهل مع من يحاول الضرر والأذى بالوحدة اليمنية والديمقراطية، وما دون ذلك يقبل بالاقتراب منه والتحاور عليه، وهذا هو فصل الخطابـ”.
الثانية: (… أما الأشخاص (الشخص الذي) الذين يثيرون الظنون والارتياب حول ما هو حق وصواب، عليهم أن يعرفوا أن لا أحدا في اليمن يمكن أن يتعاطف معهم أو يتساهل تجاه أفعالهم. ومن لم يفهم الدرس سيكرر له حتى يستوعب ويقتنع ببقاء الوحدة اليمنية. والعزة لله وللشعب اليمني”.
 بالنسبة للأولى:
1 – إنّ علي عبد الله صالح لم يتوعد فحسب، الذين يحاولون الضرر والأذى بالوحدة اليمنية والديمقراطية، حسب قوله، بل ذهب إلى الفعل ضد هؤلاء، وضد كل من يعتقد أنهم يهددون عرشه، مستخدماً الحرب والتقتيل. وأبرز الأمثلة على ذلك الحرب على الجنوب في عام 1994، والحرب على صعدة، وقمع الاحتجاجات الشعبية ضد النتائج المدمرة للسياسات الاقتصادية، وأخيراً قمع يحرك ساكناً. فيما يخص استباحة سيادة الدولة من قبل دول الجوار. وما فعلته دولة أرتيريا الصغيرة، يشكّل أكبر فضيحة لنظام سياسي لا يتقن القوة إلا ضد مواطنيه.
2- هل يدرك صاحب “فصل الخطابـ”، أنّ علي عبد الله صالح عند حديثه عن الوحدة والديمقراطية، لم تكن تهمه هاتان المفردتان كقيمتين ساميتين، بقدر ما تعنيه النتائج والأرباح والمكاسب التي جناها. والمقصود هنا السلطة والثروة. وأنا هنا لا أريد أن أدخل في التفاصيل، ولكن يمكن تبسيط العملية بوضع مقارنة سريعة عن واقع الحال -الاقتصادي والمعيشي- بعد 17 عاماً من توحيد الدولتين، وبرغم اتساع المساحة وزيادة الثروة. فأين ذهبت هذه الثروة؟
 وأعود وأذكِّر صاحب “فصل الخطابـ” بالمهرجان الذي جرى في ميدان السبعين، عندما نكث علي عبد الله صالح بوعده والتزامه للمجتمع المحلي والدولي، بعدم الترشح الانتخابات الرئاسية 2006م. وهنا أسأل صاحب “فصل الخطابـ” عن الأسباب والدوافع الحقيقية لتراجع المذكور عن وعوده المذكورة؟
 وبعيداً عن شعارات الوحدة والديمقراطية والشعب وخدمته، والخوف على الثورة والجمهورية والوحدة، والحفاظ على مصالح الشعب، وغير ذلك من الكلام الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني، فإنّ موقف علي عبد الله صالح، ليس له غير تفسيرين أو سببين، وهما:
الأول: هل كان علي عبد الله صالح يحلم -مجرد الحلم ليس إلا- بأنه في يوم من أيام هذا الزمن الأغبر، سيكون حاكماً ومسيطراً على بلد، هو الجمهورية اليمنية بمساحة 555 ألف كيلومتر مربع، وبشريط ساحلي بطول نحو2000 كيلومتر، وأنه سيكون مالكاً لثروة نفطية وغازية وموارد أخرى، وذلك مقابل بلد كان يحكمه هو الجمهورية العربية اليمنية، بمساحة تقل عن ثلث المساحة المذكورة أعلاه، وبكثافة سكانية كبيرة، محدود الموارد ويعتمد أساساً على عائدات المغتربين؟ وبعملية حسابية بسيطة وباستخدام عملية الطرح، فإن قوة ومكانة “دولة الوحدة” أو الجمهورية اليمنية التي تحدث عنها صاحب “فصل الخطابـ”، جاءت من دولة الجنوب. وهذا معناه أن ترك علي عبد الله صالح للحكم -بقناعته وبرضاه- يعني تسليمه وتركه هذا الجاه (السلطة) وما تبقى من الثروة. وما دام المنافس والبديل المحتمل، هو الأستاذ فيصل بن شملان، وهو مرشح المعارضة في الوقت نفسه، فقد تأكد لعلي عبد الله صالح أنّ بقاء الحال من المحال، ويعني ذلك هو ضياع دولة وثروة. وهذا محزن للغاية بالنسبة له، ذلك “لأن الناس يحزنون لانتزاع ملكية منهم حزناً يفوق حزنهم على موت أب أو أخ، لأنّ الموت يُنسى أحياناً، أما الثروة فلا تنسى أبداً”. ولذلك استدعي أعضاء المؤتمر الشعبي العام إلى المؤتمر، الذي أطلق عليه حينها “مؤتمر المناحة وعويل حاملي المباخر”، وهو المؤتمر الذي سبق تلك الانتخابات بفترة وجيزة جداً، حيث عكس لنا المشاركون فيه، لوحة سريالية سيئة، بل وكان مزيجاً من التراجيديا والكوميديا. وبغض النظر عن الهستيريا التي انتابت المشاركين وسيطرت عليهم، فقد تأكد للناس المستوى الهابط لتلك المسرحية. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل جرى سوق المواطنين إلى ميدان السبعين، لكي يتحولوا إلى صدى رجع لما يريده الحاكم علي عبد الله صالح، للبقاء والاستمرار في الحكم. فهل يُعقل أن يعانق المساق إلى ساحة الإعدام جلاده ويشكره أيضاً.
الثاني: يكمن في تصوّر وتوقّع علي عبد الله صالح، لما سيكون عليه واقع الحال بعد الانتخابات (طبعاً إذا ما التزم بوعده وتعهده بعدم ترشحه في تلك الانتخابات)، أي أنه كان يفكِّر مليّاً وجديّا بمصيره وهو خارج السلطة أو مجرََّداً منها. أي أنه كان أكثر ما يخشاه، هو أن تطاله المحاسبة السياسية والقانونية على أية أفعال بحق الدولة والمجتمع، يكون قد اقترفها من وجهة نظر نظام الحكم الجديد.
3- كما يحق لنا أن نتساءل عن الذي جلب الأذى والضرر فعلاً للوحدة اليمنية والديمقراطية، وليس فقط عن الذي حاول جلب الضرر لهما؟ أليس هو مَنْ أشعل الحرب على الجنوب، واجتاح أراضيه؟ أليس هو مَنْ مارس سياسات الضم والإلحاق والإلغاء للجنوب وشعبه، متناسياً أنه الطرف الآخر في معادلة دولة الوحدة (الجمهورية اليمنية)؟ أليس هو مَنْ سرق ونهب ثروات الجنوب؟ أليس هو مَنْ قام بمصادرة وتأميم ممتلكات مواطني الجنوب؟ أليس هو مَنْ مارس سياسة التغيير الديموغرافي على شعب الجنوب؟ أليس هو مَنْ عمل على تصفية الجنوبيين من الوظيفة العامة بوسائل وطرق متعددة، مثل إحلال موظفي الشمال بدلاً من موظفي الجنوب، وإحالة موظفي الجنوب المدنيين والعسكريين إلى التقاعد بطرق غير قانونية وقسرية؟ أليس هو مَنْ يسعى لتوريث الحكم لصالح أسرته؟ أليس هو مَنْ أمَّم وصادر السلطة لمدة 29عاماً، وألغى بذلك مبدأ التداول السلمي للسلطة المنصوص عليه في الدستور، واستبدله بالانتخابات الصورية المزيّفة؟
4- وإذا كانت هذه محصلة أفعاله تجاه الوحدة اليمنية والديمقراطية، فماذا عساه أبقى لنا دونهما حتى يمكننا الاقتراب منه، وحتى يتحاور معنا عليه؟ إلا إذا كان هذا الشيء، هو أن يخيِّرنا في الطريقة التي نفضِّلها لكي نموت على يديه؟ نعم، هذا ما نعتقد أنه الشيء الوحيد الذي نملكه في الجنوب، ونستطيع التصرف به، بعد أن جُرّدنا من كلّ شيء.
  أما بالنسبة للفقرة الثانية:
1 – كيف يمكن أن نصف حركة شعب يطالب بحق تقرير مصيره، بأنها عبارة عن عدد من الأشخاص، يثيرون الارتياب حول ما هو حق وصواب؟ هل فعاليات الاعتصامات السلمية لملتقيات التصالح والتسامح، وجمعيات المتقاعدين وجمعيات العاطلين عن العمل، والتململ الذي بدأ وسط الموظفين الجنوبيين المنتدبين للعمل في صنعاء، وإرهاصات التمردات التي بدأت في بعض مناطق الجنوب، هل كل ذلك عبارة عن سلوك عدد من الأشخاص؟ وهل يمكن أن يتواضع صاحب “فصل الخطابـ”، ويزور بلاده الجنوب، ولو لمرة واحدة، لكي يتعرف على هؤلاء الأشخاص الذين ألمح إليهم؟
2 – ما هي الأشياء التي يثيرون حولها الارتياب؟ وهل يوجد أدنى شك في أنّ دولة الجمهورية اليمنية، ليست سوى كيان ممسوخ لدولة الجمهورية العربية اليمنية؟ وهل هناك أدنى ريبة في أنّ الوحدة في مضمونها وتجلياتها الواقعية، ليست تلك الوحدة التي تمّ الاتفاق عليها عشية 22مايو1990، لا في الشكل ولا في المضمون؟ وهل هناك أدنى شك في أنّ ما هو موجود، ليس سوى ديمقراطية شكلية ووهمية، وأنه يوجد في اليمن حاكم فرد، اختزل كلَّ مؤسسات الدولة ووظائفها المتعددة في شخصه؟ فهل هذه حقيقة أم وهم؟
3 – ثمّ هل يعلم صاحب “فصل الخطابـ”، أنّ ما قد يكون حقا وصوابا الآن، وفي هذا المكان من العالم، قد لا يكون كذلك في لحظة زمنية أخرى أو في مكان آخر؟ بمعنى أنّ “الحق” و”الصوابـ” مفهومان نسبيان في المكان والزمان. وهذا ينطبق على مفهومي “الوحدة” و”الديمقراطية” بالنسبة لشعب الجنوب.
فعندما تبين لنا بالوقائع الملموسة، أنّ هناك تنافيا وتباعدا وتقاطعا كبيرا بين الوحدة والديمقراطية، كمفهومين مجردين خارج الواقع والممارسة، من ناحية، وبين الوحدة والديمقراطية في الممارسة العملية، وبحيث تحولتا إلى وهم وخداع، وذلك كما بينّا آنفاً، فمن هنا فقد كلٌّ من الوحدة والديمقراطية قيمتَيْ الحق والصواب.
4 – أما فيما يخص قول صاحب “فصل الخطابـ”، أنه لا يمكن أن يوجد في “اليمن” من يمكنه التعاطف مع حركة شعب الجنوب، أو يتساهل مع أفعالنا حسب تعبيره، ففي ذلك نقول: إنّ شعب الجنوب لم يعد يعوِّل كثيراً على تعاطف الآخرين أو حتى دعمهم. كما أنّ “اليمن” لم تعد تستهوينا، والمؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين.
5 – ونصل إلى الفاجعة والكارثة والطامة الكبرى لصاحب “فصل الخطابـ”، ونعني بذلك وعيده وتهديده لشعب الجنوب، وتذكيرهم بحرب صيف 1994، وما حدث لهم فيها، وما نتج عنها من نهب وسلب لأراضيهم وثرواتهم. كما أنه لم يكتفِ بالوعيد والتهديد فقط، بل ولفت نظرهم إلى عدم نسيان ذلك الدرس القاسي، لأنّ تكرار ذلك الدرس سيكون ضرورياً بحسب قوله، وهو يعني استخدام القوة لمن يرفض الوضع القائم، حتى يقتنع ببقاء الوحدة. وبهذا تتحول الوحدة من خيار وقناعة، إلى فرض بالقوة. فإما القبول بالوحدة، وإما القبول بالموت. وهو نهج علي عبد الله صالح، الذي يسمعنا إياه باستمرار.
 وبالتأكيد فنحن في الجنوب لا يمكننا أن ننسى ما حدث لنا في حرب صيف 1994، لأنّ ذلك يعتبر قريباً في عمر الزمن. ولكن السؤال الهام بالنسبة لنا: هل يمكن أن يتذكَّر الآخرون ما حدث للدولة القاسمية ولغيرها من الغزاة؟