الشيوخ والْفِينْ من زمان يشلوا زلط – أحمد الزرقة

الشيوخ والْفِينْ من زمان يشلوا زلط – أحمد الزرقة

أثار حضور القبيلة في الشأن العام المحلي من خلال محاولة إنشاء كيان هلامي غير واضح المعالم، تساؤلات عن كينونة “مجلس التضامن الوطني”، الذي لا هو حزب ولا هو منظمة أهلية مدنية ولا هم يحزنون، ولا يعدو المجلس أو غيره من التجمعات الفئوية المماثلة له أو الرافضة له، كونها ظواهر تكشف عورة الدولة، والحديث الممل عن دولة المؤسسات. وهي الدولة التي تحضر كثيرا في البرامج الانتخابية والسياسية والخطابات الجماهيرية، لتغيب على صعيد الممارسة العملية.
فمنذ كتب ابن خلدون مقدمته وربما من قبلها، بات معروفا أنه متى استدعيت القبيلة انزوت وتراجعت الدولة؛ فالقبيلة مكانها الطبيعي تحت سلطة الدولة وإحدى مكوناتها وليس فوقها.
المشكلة اليمنية كما يلخصها رياض الريس أن الدولة تتصرف بعقلية القبيلة، بينما القبيلة تتصرف بعقلية الدولة.
القبيلة ليست كلها شرا، لكنها أيضا ليست خيرا. فوجود دولة مؤسسات، يتساوى فيها الشيخ والرعوي، غير ممكنة في ظل حضور المشايخ الطاغي، وسيطرتهم على مفاصل البلاد وثرواتها. وإن كانت سياسة السوق تعني التنافس المشروع وتساوي الفرص أمام الناس، فإن صعود طبقة جديدة من خارج إطار المشايخ حقيقة معدومة؛ لأن من يملك المال والسلطة في اليمن هم المشايخ وهم الإقطاعيون. ولأهمية تلك امتلاك لقب شيخ، فقد صار العديد من الطامحين في دخول سوق المال والأعمال والهنجمة يدفعون كثيرا من أجل حصولهم على لقب شيخ، فيما يشبه الحصول على لقب “البشاوية” أيام الدولة العثمانية.
عوامل عدة مسخت الهوية القبلية وانحرفت بها، فمن الإقصاء في العهد الإمامي، إلى الاستقواء بالدور القبلي بعد الثورة عندما كانت القبيلة منقسمة على نفسها. فقد ساهم المصريون والسعوديون في إفساد القبيلة وتدليلها. وكان صراع الرئيس عبد الناصر والملك فيصل يتحول إلى سلاح وأموال وذهب توزع على المشايخ؛ الأمر الذي عزز سطوة المشايخ. وبقدر حجم الأموال التي كانت تبذل، كانت الولاءات تتبدل كل يوم لتكتسب لونا مغايرا.
“منذ قيام الثورة اليمنية والمشايخ والفين على أخذ فلوس من الشقيقة الكبرى ودول كثيرة”، كما قال الرئيس علي عبد الله صالح لصحيفة “الوسط”. وعلى الرغم من تحريم الدستور اليمني وقانون الأحزاب والتنظيمات السياسية، قبول التبرعات والدعم من أي جهة خارجية، لكن الرئيس الصالح يقول بالحرف الواحد: “السعودية تقدم مثل هذه المبالغ والمرتبات. من أول الثورة والناس قد ألفوا عليها، ثم إنها لا تمثل مشكلة لنا. بينما ليبيا لها غرض سياسي هو تصفية حسابات وخلافات مع السعودية وليس لله. ونحن لا نريد أحد أن يصفي حسابات مع الطرف الآخر. وعلى كل من يستلم من دولة أخرى يندرج في إطار الحرام والانتقاص من الولاء الوطني”. هل ركزتم على الفقرة الأخيرة؟ هل نحن في باب مسجد أم في دار الإفتاء؟
الطرف المناهض للمجلس الوطني ممن اجتمعوا في بيت الشيخ الشايف، كانوا مستائين فقط من قصة الدعم الذي قيل إن حسين الأحمر استلمه من دولة غير شقيقة، وذلك كان موقف السلطة أيضا. حسين الأحمر يعترف ويفاخر بمعرفته بالعقيد القذافي، ويقول إن الرئيس صالح هو من قوى علاقته بالعقيد.
لسنا هنا مع أو ضد العقيد أو الشيخ أياً كان؛ نحن مع اليمن التي لن تستفيد من المجلس الوطني أو غيره، ولن يكون حلف فضول كما حاول البعض تسميته؛ لأن “حلف الفضولـ” كان في عصر لم تكن فيه دول قائمة، بينما نحن اليوم القرن الحادي والعشرين.
ذات يوم قال الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: “إن دور القبيلة يزداد كلما ضعفت الدولة”.
من يمتلك المال والنفوذ في هذا البلد يمتلك كل شيء، حتى أن بإمكانه تجاوز القانون والدستور والمؤسسات. فحسين الأحمر جمع قبائل ومسلحين في قلب العاصمة صنعاء، وقدم نفسه بديلا لمؤسسات الدولة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وسيصدر صحيفة ومجلة، وسينشئ فروعا، ويحاسب الفاسدين، كما يقول، رغما عن الجميع.
الشخصيات المدنية لا تستطيع استخراج تراخيص لجمعيات أو منظمات حقوقية، وتظل في الطابور شهورا، وفي نهاية المطاف ربما لن يحصلوا على ترخيص. كما أن تلك الجمعيات مطالبة بتقديم كشوفات تبين مصير صرف تلك المبالغ. لكن هل تجرؤ أي جهة على مطالبة أي من المشايخ بمصير المبالغ التي تسلمها من جهات خارج اليمن.
الدولة تمتلك –كما تقول– وثائق تدين عددا من الدول بتمويل مشايخ ساهموا في تعزيز الصراعات والحروب داخل مناطق مختلفة من اليمن، لكنها لم تتخذ إجراءات تثبت سيادة الدولة وهيبتها.
خمسة وعشرون عاما هي فترة الحرب بين قبيلتي الشولان وهمدان في الجوف، قامت القبيلتان بنقل حربهما مؤخرا إلى صنعاء، ولم يتدخل كبار المشايخ لوقف ذلك الاقتتال. والأدهى أن الطرفين يستلمان من الدولة ومن الشقيقة الكبرى وتذهب تلك الأموال لتمويل الاحتراب.
النظام في اليمن يستمد قوته من صراعات القوى القبلية التقليدية ويعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها من أجل إضعافها حتى يسهل السيطرة عليها. وكأحجار الدومينو يعيد رصها لكن بطريقة تسمح له بقلبها بسهولة في حركة واحدة.
نقترب من العقد الخامس لذكرى قيام الثورة اليمنية، وما زالت رقعة الشطرنج نفسها. يتغير اللاعبون، لكن النقلات بطيئة ومدروسة بعناية، لغاية عدم تحقيق تقدم في حياة القبائل اليمنية، خاصة إذا قسنا الأمور بما تحقق على الصعيد الملموس في تغيير وعي الناس وإحلال قيم المدنية الحديثة ونسبة المستفيدين من خدمات التعليم والتطبيب والمياه النقية والكهرباء والطرق ومخرجات التعليم الجامعي. لن نذهب بعيدا وسنقارن أنفسنا بالمحيط المجاور، فدول الخليج والأردن والعراق وسوريا دول توجد بها قبيلة، لكن مع فارق أن تلك الدول استطاعت تمدين قبائلها مع احتفاظ تلك القبائل بقيمها الأصيلة.
القبيلة في اليمن جغرافيا أكثر منها تاريخ. وليس من الطبيعي أن تحشر اليمن وتعطل طاقاتها من أجل مصلحة عدد ممن فقدوا مصالحهم أو تقاطعوا مع النظام. ومن غير المنطقي أن يستمر خطاب التجييش وحمل الناس وكأنهم أكياس طحين أو بنادق عدال مع الشيخ سين أو صاد. ومن ثم فإن اليمن أكبر من القبيلة.
الرئيس صالح فاز بوعد الناس بمنحهم مجتمعا مدنيا يتساوى أمامه الشيخ والرعوي، وليس من مفرداته التجمعات الفئوية، خاصة وأن العديد من قيادات تلك التجمعات القبلية محسوبة على الرئيس صالح وحزبه.
 [email protected]