الارهاب.. المصنوع والصَّانع الخالق والمخلوق – عبدالباري طاهر

الارهاب.. المصنوع والصَّانع الخالق والمخلوق – عبدالباري طاهر

للارهاب معنى واحد، وصور وأشكال مختلفة متعددة ومتنوعة، وله مآت ومنابع تبدأ و لا تنتهي. وهناك إرهاب صانع ومصنوع، خالق ومخلوق، فالحكومات الاستعمارية التي استباحت الامم والشعوب، واحتلت بوارجها ومكنتها الحربية الجهنمية اكثر من ثلثي الكرة الارضية، فنهبت ثروات الشعوب وسرقت خيراتها، وداست الكرامة القومية.
كان رد فعل الامم والشعوب عنيفاً دامياً وقاسياً واستمر لأكثر من قرنين. سمى المستعمرون احتلال واستعمار قارات بكاملها بالتمدين والتحضر، بينما أطلقت الشعوب المستعمرة على الغزاة: المستعمرين والمستكبرين واللصوص. وكانت تسمية الوحوش والبرابرة والارهابيين من عنديات السادة المستعمرين ضد ضحاياهم المستعمرين بالفتح استعمرت شعوباً عديدة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وكان نصيب الأمة العربية وبيلاً. تحررت العديد من الامم والشعوب لتبقى فلسطين شاهد جريمة الاستعمار القديم والجديد. وورثت امريكا تركة المانيا وفرنسا وبريطانيا في العالم، وشيدته، ولكنها حولت المنطقة العربية الى ما يشبه الضيعة. وقد جعلت من اسرائيل قاعدة نفوذها وارهابها ضد الامة العربية كلها وبالأخص فلسطين ودول الطوق. فالاستعمار القديم والجديد وامريكا هم الفساد والخالقون الاوائل للارهاب. واستطاعت أمريكا، زعيمة العالم الجديد، نشر الارهاب في مختلف أصقاع الارض. فهي تنشره مباشرة عبر احتلال افغانستان وتدمير العراق، ودعم الاحتلال الاستيطاني لأسرائيل، والتحالف مع الدول والحكومات الفاسدة والمستبدة، خصوصاً في المنطقة العربية. إضافة إلى تشجيع الاسلام السياسي، ودعم الصدام بين الاتجاهات المختلفة في المنطقة العربية. طبعاً لا يعني هذا أن التيارات السياسية: القومية والاسلامية واليسارية التي حكمت المنطقة، لم تكن هي الأخرى حاملة مكروب الارهاب، وقابلة لنشره وزراعته بأساليب وأشكال عدة. فأمريكا هي المحيط الذي يتغذى من البحور والانهر والترع وتضع الصواعق والرياح والسحائب السوداء التي تغطي أجزاء شاسعة من المعمورة.
وتجيئ في المرتبة الثانية في التخليق والتصنيع للارهاب الدول «المستبدة والفاسدة» فهذه الدول بعجزها عن حل معضلات التنمية الشاملة والبناء، وفسادها واستبدادها، تعمل بوعي وبدون قصد على خلق التيارات المعارضة على شاكلتها. فهي اي الدولة المستبدة تغلق الأبواب أمام الحياة السياسية الطبيعية، فتجرم العمل السياسي، تصادر حرية الرأي والتعبير، وتئد الحلم في تداول سلمي للسلطة، وتهمش ان لم تقتل مؤسسات المجتمع المدني الضعيف أصلاً. وبذلك تفتح الباب أمام تيارات ارهابية هي مخلوق شائه للأوضاع، اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تصنعها الأنظمة المستبدة مسنودة من الولايات المتحدة الامريكية. ويكون المشهد الكالح والعام أن بلدانا وامما شعوباً تلقى الإهانة القومية. وتستباح وتنتهك أراضيها، وتتعرض للنهب والافقار والتركيع كدول وكشعوب. ثم يكون حكامها المستبدون ادوات بيد الصانع الاكبر للارهاب فتشعر هذه الشعوب بالقهر القومي والغبن الاجتماعي. وتكون مأساتها مركبة ومزدوجة حيث يتداخل العام بالخاص، الاجنبي بالمحلي فهما حليفان في مكافحة الارهاب هما اي امريكا والحكم العربي، يشتركان معاً في دعم ومساندة «القوى السلفية الجهادية المحاربة ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان والشيشان والبوسنة ومناطق اخرى كما جرى نشر التعليم الديني المذهبي والسلفي المكفر والمخون وخلق الصراعات ذات الطابع القومي العرقي: ايران، العراق، أو الاستعلاء الديني: سنة وشيعة. فقاعدة ابن لادن وطالبان (خلف الورقة) الظلامية في أنظمة مستبدة: مصر، السعودية، باكستان، افغانستان، وكلها حليفة وتابعة. وقد جرى احتضان ودعم هذين التيارين الجهنميين من امريكا والمخابرات الباكستانية وبتمويل عربي، حسب اعترافات هذه الأطراف المعنية ومواقفها المعلنة.
واذا كان الارهاب كالنار تأكل بعضها، فإن جريمة تدمير برجي التوأم قد جعل الصدا حتمياً بين امريكا وبين السلفيين الجهاديين، حلفاء امريكا والغرب بعامة.
اتخذ المحافظون الجدد من الحرب ضد الارهاب ذريعة لاحتلال افغانستان وتدمير العراق، ودفع اسرائيل والانظمة التابعة في البلدان العربية والاسلامية لخوض هذه الحرب. فقد صعدت اسرائيل حربها ضد الفلسطينيين واجتاحت جنوب لبنان، وانخرطت دول اسلامية وعربية في هذه الحرب. قوَّت هذه الحرب الاستعماري والاستبدادية عضلات الارهاب، وزكت منطق الجماعات الجهادية التي ظهرت كمدافع وحيد عن النقاء الديني والكرامة القومية والانسانية، في حين اعطى ويعطي ارهاب الجماعات السلفية العمياء المبرر الكافي لأمريكا وحلفائها وللأنظمة الاستبدادية لإعلان ما يشبه الطوارئ، واعلان الاحكام العرفية، ومصادرة الحرية، وقطع الطريق على التطورات الديمقراطية. ولعل أنموذج اليمن يعطي دلالة واضحة لهذا الترافد بين الارهاب الكوني الامريكي والتباهي «الوطني» المستبد معه. ودور الجماعات السلفية الارهابية في توتير الاجواء، وتعكير الحياة، وتدمير النسيج الاجتماعي، ودفع السلطة الى مزيد من العسكرة والتشدد والتفرد والقمع.
اللافت أن الدولة اليمنية تربطها علاقات مائزة وتحالفات مشبوهة مع هذه الاتجاهات «الجهادية» وخاضت السلطة والجهاديون معارك مشتركة ضد الخصم الاشتراكي. وقد سلمت الدولة هذه الاتجاهات الارهابية التوجيه والارشاد في المساجد، وسهلت امامها السيطرة على المعاهد الدينية السلفية الممولة من الاتجاهات السلفية في السعودية، وعملت على انتشارها في مناطق مختلفة من اليمن، ووصل طلابها ومريدوها الى المئات والآلاف. تعمد الدولة إياها الى إعلان التحالف مع امريكا في حربها ضد الارهاب. وتتسم العلاقات بين الارهاب «الديني» والاستبداد السياسي في اليمن والسعودية بحالات من المد والجزر. فالدولة الراعية للاتجاهات السلفية المتطرقة غالباً ما تستخدم هذه التيارات لترويع المعارضة السياسية، وتفرض قيوداً على الحريات العامة والديمقراطية، وتبرر للاستبداد والفساد. فهي سلاح ايديولوجي بيد الاستبداد ضد المجتمع المدني، وهي ايضاً اداة سياسية ودعوية تبرر الطغيان والقبول بحكم القهر والغلبة «طاعة ولي الأمر»!.
تقبل اليمن طواعية وتفاخر بتحاورها مع زعماء الارهاب وكوادره وقواه، في حين تعلن الحرب، مجرمة ومخونة قوى المجتمع المدني من احزاب ونقابات وصحفيين، وادباء، ومحامين، واتحادات تربوية، وطلابية، ومهنية. فالدولة التي تمد يدها للارهاب وترعاه حتى وهي تتحالف مع امريكا ضده، وتتحارب معه، لا ترى فيه الخصم اللدود. فهو عندها اقرب للابن العاق الواجب الرعاية والهداية معاً. وهو أي التيار الارهابي كالتمردات القبلية والاحتراب، والاختطاف، احتجاجات يمكن القبول بها والنزول على حكمها. أما احتجاجات المجتمع المدني فهي الخطيئة الكبرى والجريمة التي لا تغتفر والعملية للأجنبي والموصومة بالانفصالية والخيانة. الاستبداد الديني والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة. والاستبداد الديني أداة راعية بيد الطغاة، وطنيين كانوا، ومستعمرين. ألم يقل «برزنسكي» مستشار الامن القومي الامريكي والمنظر الشهير: «إن الحركات الاسلامية (الجهادية) انامل الله الذهبية تقتل بها امريكا اعداءها دون ان تتلطخ يدها بالدم»؟ ويرى ان هذه الاتجاهات تقتل وكأنها تشرب كوباً من الليمون البارد. الاخطر انها تعتبر القتل «الفريضة الغائبة» واجباً دينياً مقدساً. ووسيلة مثلى للعبور الى الجنة، متجهة بهذا القتل الباذخ نحو الداخل المختلف طوائفياً أو حزبياً أوسياسياً. والارهاب بمستوياته المختلفة الدولي، والقومي، والديني يرفد بعضه بعضاً. وحرب هذه الألوان يقويها ويسمح بانتشارها، وازدهارها وتعاظمها. وفي اليمن فإن انتشار المعاهد الدينية، السلفية، وامتزاجها بالقبيلة يجعل منها كيماوياً مزدوجاً أكثر «مصداقية» وخطورة من كيماوي المرحوم صدام حسين المزعوم والمفترى به وعليه.