صنعاء القديمة.. معها نلمس أرواحنا بأيدينا – إلهام الوجيه

صنعاء القديمة.. معها نلمس أرواحنا بأيدينا – إلهام الوجيه

شدتني لزيارتها ككل مرة.. سائحة.. منبهرة.. ألتقط أنفاسي عند كل زقاق ضيق بها وبقرار واعٍ أردت أن أضيع للمرة الألف فيها.. متاهاتها ليست سوى عبء على الغريب.. وجمالها ليس سوى حق مستباح وللجميع…!!
قررت أن أدخلها هذه المرة من بوابتها الكبيرة المسماة “باب اليمن”. أتحاشى دائما هذه البوابة لزحمتها الشديدة.. تمنعنا نحن النساء في اليمن زحمة الرجال، إلى حرماننا من متعة الدخول، من هذه البوابة الرائعة الجمال باسم الابتعاد عن المضايقات التي تفرض علينا ما لا تفرضه على الرجال من أبسط قواعد للذوق واحترام للآخر!!
كان المطر خفيفا متلاحقا.. رذاذا يمنحنا الله به فرصة للتفكير بتلك العلاقة المثمرة والجميلة بين الأرض والسماء… مطرا كصنعاء القديمة لا تشعر بأنه مطر إلا حينما تتأكد أنك صرت مبللا به تماما، وأن ما تراه قديما لا دخل لمن هم اليوم هناك في صنع شيء منه…
لا أحد معي هذه المرة سوى كاميرا رقمية خاصة الصنع ذات الجودة المحدودة بقدرات صاحبتها الذهنية.
من السوق كانت البداية، ومن جانب مفترشي الطرق وبائعي اللبان والحناء كان مروري, كأني أمر بقافلة للبخور، كما قرأت ذات يوم، ولكنها هنا قافلة من نوع جديد: مليئة بالفقر والهزال والبضائع المستوردة الرديئة الجودة!
قالت لي إحدى الصديقات الصنعانيات، ذات يوم، حنقة: “القبايل خربوا صنعاء, نهبوها ذات عام، وينهبونها الآن كل عام.. كل يوم”. لا ترى صديقتي في القبايل سوى تتار آخرين، وشيخ القبيلة ليس سوى هولاكو جديد لا يبني بقدر ما يهدم!!
ألا تدري صديقتي أن القبايل اليوم سيدخلون المدنية من أوسع أبوابها، وقد أعلنوا تأسيسهم لمجلسهم الوطني للتضامن الذي يجب أن لا نحكم عليه بالسوء والإعدام مسبقا، فإما أن يكون رغبة حقيقية في انتقالهم إلى عالم المؤسسات والتجمعات المدنية، وإما أن يكون رغبة حقيقية ولكن مغايرة الاتجاه لترسيخ دور القبيلة عن طريق ربما إنشاء قبيلة جديدة باسم جديد وحديث وعصري لا أكثر…!!
من يدري؟ دعونا لا نستبق الأحداث ونجرم من لم يرتكب جرما حتى اليوم، بدلا من تعطيلنا لكل جديد رغبة التوقف عند ما نحن عليه دائما..!!
أعود إلى صنعاء القديمة وإلى زيارتي الهادئة كهدوء نفسي تلك اللحظة.. لا شيء فيها قد يدفعك إلى الضجر أو الاستعجال بالخروج منها سوى رغبتك في القيام بعمل آخر أكثر فائدة لك من التأمل أو ربما لتصادم خيالك المستمر مع واقعها الحالي الذي لا يسرك!!
فالبيوت هي البيوت منذ قرون ولكن الناس غير الناس.. ومن امتلكوا قوة صناعة ذلك التاريخ يوما ما، ليسوا الآن سوى منتفعين بذاك التاريخ لا أكثر، وهم أعجز من أن يخلقوا شيئا منها أو أن يحتفظوا حتى بما صنعه الأولون لهم ذات زمن جميل، يورثونه لمن كانوا يظنونهم يستحقونه فعلا..!!
اشتد المطر أكثر، فاختبأت منه مستظلة بطربال أزرق يتقدم دكانا صغيرا يبيع الخيوط وحلويات الأطفال الرخيصة، نقدمها لأطفالنا احتفالا بهم نفرح قلوبهم بها في بلد لا شيء يفرح الصغار فيه سوى الشارع ونحن لا نقدم لهم سوى الموت مغلفا بألوان ورسومات كاذبة…
لم أكن هاربة من المطر الغزير تلك اللحظة ولكن هاربة من عيون المارة الراكضين للاختباء والذين لا يرون في اغتسالك من الخطايا سوى أكبر الخطايا!!!!
كان صاحب الدكان رجلا كبيرا في السن، صنعاني اللهجة، يتحدث عن فرج بن غانم، الحضرمي المسقط، مع مار آخر يتحدث اللهجة التعزية محتميا هو الآخر تحت ذلك الطربال المثقوب في بعض منه. كان كلامهما يردد ما يقوله الإعلام أو ما يحضنا على حفظه بقرار جمهوري.. مترحمين على الفقيد كونه آخر الرجال المحترمين وآخر المحاربين القدامى… مفتخرين باستقالته (الاستقالة هنا شهادة للتقدير مع مرتبة الشرف وليس هروبا من المسؤولية أو انسحابا من المعارك أو استسلاما ضعيفاً لطوفان الفساد الأقوى). لتتزعم كلمة “لو” التي أكدت لي أمي أن الشيطان يحبها كثيرا.. ونترنم بها أكثر مما كان يريده الشيطان نفسه؛ لينهي الرجلان حديثهما عن الرجل بـ”لو” كان رئيسا للوزراء حتى اليوم لكن بلدا مثل بلدان الخليج القريبة منا مسافة والبعيدة عنا رفاهية وبذخا، وأننا بوجوده ربما لن نكتفي بمشاهدتهم ونظرات الحرمان تمنع عنا الرقاد وعدم تمني زوال النعمة عنهم، ولكننا سنغترف الرفاهية مثلما يفعلون اليوم أمامنا دون حياء من فقرنا وجوعنا وعرينا…!!!
صامتة أنا كعادتي أتأمل صنعاء التي باتت تحتضن الجميع دون استثناء ويحتضن الجميع بعضهم كذلك لولا أن المعدة الخاوية تشغل الناس عن محبتهم لبعضهم وتدفع بهم للتفكير في إيجاد سبل وطرق لملء تلك المعدة التي ترهقنا أكثر من أرواحنا..!!
ترحمنا جميعا على الفقيد الذي لم أعرفه إلا باستقالته المدوية، ولم أعرفه أكثر إلا بعد موته!! فنحن بلد لا نتحدث إلا عن الراحلين والمغادرين إلى الأبد.. لنصمت بعدها عن كل العابثين والجاثمين الذين لا يغادروننا أبدا…!!
وجدت فرصتي سانحة للنجاة من ذلك الطربال الأزرق العديد الثقوب لأتمتع برؤية السماء وهي تتوقف عن وصلتها الموسيقية الصاخبة السريعة الإيقاع لتعزف مجددا بمياه الأرض لحنا أكثر هدوءا وأقل صخبا.. لأترنم عليه مواصلة لمسيري…
كان البلل قد وصل إلى العظام وصارت رعشة البرد أقوى وأقرب إلى روحي من دفء المكان وخطواتي.. فأوقفت أحد المارة أسأله عن طريق لشارع رئيسي, كنت كمن دخل متاهة من الروائح والبيوت والأزقة المتشابهة.. لم أكن أمتلك خارطة للمكان وإنما رغبة دائمة في اكتشافه والضياع فيه، وعندما حان وقت الرحيل تعمدت أن لا أتذكر مدخلا كنت قد اهتديت إليه أو علامة فارقة تشير لي إلى طريق..!!
الضياع داخل صنعاء القديمة فرصة حقيقية لإيجاد الذات، وفرصة للمس أرواحنا بأيدينا ولو مرة كل عام. أتذكر الآن رواية الراحل محمد عبد الولي “صنعاء مدينة مفتوحة” وأدعو الله لصنعاء أن تكون كذلك…