الأحياء أكثر نفعاً من الموتى – جمال جبران

الأحياء أكثر نفعاً من الموتى – جمال جبران

فقد مؤقت

يبدو حزنها هادئاً. بلا لطم ع الخدود ولا نحيب.
هي دموع فقط وتنزل على مهلها. غير مستعجلة. أمامها وقت طويل وممتد كي تفعل ما تود وترى. ستبكي شهر أو شهرين. يبدو حزنها أنيقاً. بشعر يبدو مُسرَّحاً بعناية من أطرافه الظاهرة قليلاً بين الحجاب والجبين. صورة تحيلنا إلى وجه فاتن حمامة في «يوم حلو.. يوم مر». وأيضاً، فردوس عبدالحميد في «الطوق والأسورة». تعيدنا الحياة إلى السينما أم العكس؟في الفيلمين يظهر حزن فردوس وفاتن أبدياً. السينما حارس أمين على الحزن. في الحياة يكون النسيان سريعاً. شهر أو شهرين وتعود الحياة كنهر طويل.. وهادئ. الحياة قصيرة ولا بد من استغلالها. والأحياء أكثر نفعاً من الموتى. تزوج «فلان» بعد شهر من وفاة زوجته. «من يدفء لي سريري؟» قال. تزوجت «فلانة» بعد سبعة أشهر من وفاة زوجها. «من يطرد عني وحشة البيت؟ من يفك لي أزراري ويحك ظهري في الليل؟» قالت الوحدة ديناصور ثقيل الدم على قلب إنثى.
يذهب الصيف قريباً ويحط البرد على العالم. الشتاء عدو الموتى. يعجل بطرحهم في النسيان. «من يملىء فراغ حضني؟» قالت. «من يؤنس وحدتي؟» قال. كيف تنس رائحة زوجها سريعاً؟ كيف ينسى رائحة زوجته؟
الموتى لا يحسنون فعل شيء مفيد. الأحياء يجيدون ذلك.

***

موت معلن

هو بكاء ذكوري بحت. كما ولطم ع الخدود. ولكن كيف يبكي الرجال؟ البكاء رديف العيب. لا يبكي الرجال في السوق، في الشارع، في الأحوال العادية ولو كان هناك ما يستحق. البكاء للمكالف والحريم. يقولون: في الموت ينقلب معنى الأشياء.
يكون العزاء فسحة للدموع كما واللطم ع الخدود. خرج الولد إلى السوق لشراء حاجيات مطبخ والدته ولم يعد، لم يصل إلى مطبخها. نصبوا له خيمة وراحوا دامعين ولاطمين بداخلها. لا نساء في الصورة. لهذا أخذ الرجال حريتهم في اللطم والبكاء. لا شيء يكسر الرجل مثل بكاءه أمام أنثى.
الكفوف على الرؤوس. في الخلف يبدو قفا رجل وبأصابع تظهر أطرافها على الرأس. رأس يبكي بكل تأكيد. ربما لم يقابل أبداً وجه الوالد الذي قُتل. لكنه يبكي. ليس بالضرورة أنه يبكي على الولد الذي من أجله أقيم العزاء. هو يبكي متذكراً أفراداً من أسرته قد راحوا إلى موتهم قبلاً. العزاء فرصة لها أمر تمكيننا من البكاء بأثر رجعي على خساراتنا الفائتة.
الحياة موت معلن وممكن في أية لحظة.
موت الصدفة. السير على شارع خطأ في التوقيت الخطأ. نحن لا نملك أعمارنا، تديرها الصدفة. كيف تكون الحياة حلوة هكذا؟ لن نخرج إلى الشوارع إذن. سنقعد في بيوتنا. هي وسيلة ناجحة لازهاق روح الموت المعلن في الشوارع. لن يذهب الولد إلى السوق لشراء حاجيات مطبخ والدته. ولن يجد أفراد الأسرة شيئاً يأكلونه على مائدة طعامهم. بعد اسبوع سيموتون من الجوع. هو موت في الحالتين. إلى أين نهرب إذن؟ كيف ننجو من الموت؟

***

عجوز

أتحايلاً على المطر، أم عجوز على قيد الحياة ويأكل ما تحت قدميه؟ لكن لا مطر ظاهر تماماً في الصورة، كما ولا قدمين! الطريق فارغ ولا كلاب تعوي. المعطف الذي كمظلة على رأس العجوز دليل على المطر. الخطوات الجائعة الى الأمام دليل على وجود قدمين تسيران على طريق هادئ. أو هكذا يبدو. طريق فارغ وهادئ ليس فيه ما يُغوي. طريق بلا فوضى. ولو بشكل مؤقت. هي هدنة، ربما، مع القتل والسيارات المفخخة والأوادم الذين بأحزمة ناسفة ويرون في الطرقات ممراً أكيداً إلى الجنة. ينظر العجوز الذي بمعطف على الرأس الى أسفل. هو يعرف طريق عودته ولن يضيع بيته. يود فقط وصولاً سالماً. ينظر العجوز إلى أسفل وكأنه غارق في محاولة للنسيان.
النظر إلى تحت طريقة ناجحة للنجاة من الموت. المعطف على الرأس وسيلة ناجحة للنجاة من المطر. الشيخوخة طريق قصير إلى الموت. دواء فعال وأكيد للتخلص من ألم الحياة.

[email protected]