د. ياسين سعيد نعمان يكتب المقطع السادس من : «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب»

د. ياسين سعيد نعمان يكتب المقطع السادس من : «أصل الحكاية.. كما يرويها عبدالمرتجي البواب»

كانت النقاشات التي خاضها عبدالمرتجي -بعد ذلك- طويلة ومعقدة لا يتسع لها المجال هنا.
ومع ذلك فهو يعترف أنه لا هو ولا غيره ممن حاورهم يمتلك جواباً جاهزاً لكيفية الانتقال إلى الديمقراطية في الظروف السياسية والاجتماعية التي يمر بها العرب.
فهو -كما يقول- لم يسمع في حواراته شيئاً مفيداً عن كيفية الانتقال إلى الديمقراطية، عدا ذلك الحماس المعبِّر عن تطلعات مشروعة، لكنه حماس يخفي قدراً هائلاً من الخيبة التي تغلغلت في النفس، حتى أن المتحدث لا يعرف إلى أين يتجه بحماسه: إلى الديمقراطية كهدف، ام إلى الخيبة كعنوان للمأزق؟
وهو يعرف أن الواقع العربي مجدب من التجارب التي يمكن أن يستعان بها لصياغة موقف كفاحي مناسب في هذا الصدد. فتجاربه هي تاريخ الحكم المستبد والفكرة المستبدة معاً.
إن الفكر العربي منقسم انقساماً خطيراً حول هذه المسألة. واكثر القوى حيوية في الساحة السياسية لم تكن تعترف بالديمقراطية كمنهج للحكم إلا عندما تجد نفسها مهمشة ومطاردة. لقد كان فكرها إزاء هذه المسألة الأهم في الفكر السياسي المعاصر مضطرباً ومشوشاً في أحسن الأحوال ومعادياً في عموم الحال، ولم تصحح موقفها السياسي منها إلا مؤخراً حينما وصلت جميعها إلى مأزق حقيقي بسبب إقصائها من المعادلة السياسية من قبل الأنظمة العسكرية أو المعسكرة المستبدة.
كان عليها، باختصار، ان تتعثر بالاستبداد القادم من الإتجاه الآخر لحركتها، لتكتشف جوهرها، وأن تبدأ من الصفر، وأن تجتهد في بناء موقف فكري حقيقي من الديمقراطية والحريات والتعددية السياسية والفكرية، وأن تنقح ايديولوجياتها بفرز الغث والسمين، وأن تجدد نفسها على قاعدة الإعتراف بأن الحقيقة غير محتكرة في انتاج بشري ما أياً كانت وجاهته، وأنها متنوعة ومتجددة كأي كائن حي.
وكانت الأوضاع العربية قد تبدلت كثيراً بعد ان دخل عنصر المال كلاعب رئيس في ميدان السياسة، وصار اللاعب رقم واحد في مواجهة الايدويولوجيات ومشاريعها، واختطف منها بريق الكلمة واستحوذ على المبادرة، حتى أصبحت له كلمته في تقرير طبيعة الانظمة السياسية العربية من خلال التعبير عن رضاه او عدم رضاه عن نخب الحكم واسلوب تعاطيها مع القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية لبلدانها.
على أن هذا المال العربي، الذي راح يتحرك بفعالية في ميدان السياسة واصبحت له الكلمة المؤثرة في هذا الميدان، قد انقسم -كما يقول عبدالمرتجي- بين «ثوري» و«محافظ» تبعاً لتصنيف القوى التي سيطرت عليه. ف«الثوري» تبخَّر في حروب ومواجهات لا طائل منها، وكأنه كان يتبع في حركته مجرى موصلاً إلى حفرة لا قاع لها، تلتهم المال كما التهمت الشعارات من قبل. جزء منه تبدد في صراع كسر الإرادات مع الشعوب، وفي المعارك الوهمية فيما أُطلق عليه المشاريع النهضوية.
أما «المحافظ» فقد تعرض بالمثل لضغوط مماثلة، إلا أن النجاح الذي حققه في معارك كسر الإرادات مع المشاريع الأخرى كان قد فتح أمامه الباب على مصراعيه لترتيب أوراقه في كل الساحات التي امتد إليها، واستطاع ان يتسلل إلى داخل الاسوار المغلقة مستطلعاً وممهداً الطريق للتغيير الكبير الذي يشترطه رأس المال الاجنبي بعد أن غدا جزءاً منه. وراح يؤسس فكره الخاص، وأدواته الاعلامية المتنوعة التي حملته بهدوء إلى عقل المواطن العربي في ظروف الاحباط التي تبحث عن الهزائم وانكسار الثورات. وجرى بصورة متسارعة تسييل المشروع النهضوي في أرصدة مالية خاصة بزعامات الانظمة الاستبدادية والقوى التي تولت تصفية نخب الفكر الثورية واضطهادها؛ حتى حاصرها الجوع واليأس فلم تجد ما تبيعه سوى فكرها القديم.. تخلصت منه كما يتخلص الغريق من ملابسة ليتمكن من السباحة للوصول إلى الشاطئ.
ولما كان التوازن الطبيعي والبيئي ضروري للحياة، فقد حرص المختصون على هذا التوازن البيئي أن لا يختل، وذلك بالحرص على أن لا يتجاوز الفاقد من مخلوقات الله من الحيوانات والنباتات والهوام القدر المسموح به. وهذا ما حرص المختصون في مجال السياسة على تحقيقه فيما يخص الفكر، ولكن بدرجات مختلفة من إدراك هذه الحقيقة والتعامل معها في الواقع.
ولذلك فإنه عندما كان يصل هؤلاء إلى الشاطئ يُطلب منهم ان يعيدوا تمثيل دورهم القديم، تحت إشراف ورقابة محكمين، بغرض تحقيق قدر من التوازن المطلوب في هذا الميدان لحماية الفكر «المنتصر».
والحقيقة أن الفكر «المنتصر» لم يكن سوى الوجه الخامل للسياسة النشطة وآليتها العسكرية والمالية الهائلة للقوة التي كسبت المعركة في صراع القرن.
وكي لا تجد هذه الآلية نفسها وقد تعثرت في نفسها، فقد كان لابد من تنشيط هذا الفكر. ولتنشيطه كان لا بد من التلويح بالفكر النقيض في وجهه، وذلك بهدف إخراجه من سلبية الإعتماد على قوة الآلية التي ينام وراءها.
ولأن هذا «النقيض» أصبح بلا مخالب، وصار لا يتحرك إلا داخل خطوط حمراء لا يسمح له بتجاوزها، فقد أخذ هذا التوظيف يتجلى في حوارات غير متكافئة، غالباً ما تنتهي -تحت ضغط الظرف الخاص والعام- إلى إدانة هذا «النقيض المهزوم».. أي أن الهدف من ذلك هو إبقاء الإحساس بالتفوق عند منتسبي الفكر «المنتصر» حاضراً في كل لحظة.
ولذلك فإن المساحة الضبقة التي يُحتفظ بها للفكر النقيض «المهزوم» في صحفهم أو في إعلامهم او فعالياتهم المختلفة إنما تستهدف إبراز الفكر «المنتصر» على خلفية الحالة البائسة التي يعيشها الآخر. وصار حاله من حال اصحابه: مجدولاً في حبل غليظ، مع حاجة هؤلاء الاصحاب إلى الأمن والأمان.
وليس مهماً بعد ذلك من يستخدم هذا الحبل، أو من هي اليد الممسكة بالانشوطة، أو كيف، أو لأي غرض يستخدم. فمعايير التغيير التي يعترف بها العالم الآن سهلت -دون شك- مهمة هؤلاء في عرض حاجتهم داخل طروحات منقحة وطبعات معدلة من الفكر القديم.
اما اولئك الذين اختبأوا داخل جحور مظلمة بانتظار تغيير العالم، كما يرى عبدالمرتجي، فقد خرجوا للإنتقام، بعد أن توقف بهم الزمن عند نفس النقطة التي شهدت آخر معاركهم السياسية مع هذا المشروع في أوج صخبه. واصلوا معركتهم في نفس هذه النقطة، وبنفس الأسلحة والعقلية المهترئة التي عفا عليها الزمن، لتصفية حسابات قديمة، غير مطمئنين إلى المستقبل الذي ينتظرهم تحت الزعامة الجديدة التي قاتلت نيابة عنهم.
————-
لمتابعة المقاطع السابقة :
 
المقطع الخامس
 
المقطع الرابع
 
المقطع الثالث
 
المقطع الثاني
 
المقطع الأول