الوحدة وسؤال الانفصال – إلهام الوجيه

الوحدة وسؤال الانفصال – إلهام الوجيه

الموسيقى تعزف “رددي أيتها الدنيا نشيدي”.
والعلم يصعد رويدا رويدا إلى أعلى السارية،
الأعناق تراقب الحدث.
وبشائر الوحدة غطت أشعة الشمس بوهجها الأقوى
وابتدأت الجوقة العزف ولكنها ربما و لأول مرة في التاريخ تعزف ما تريده هي، وتردد ما ينبع من قلبها حقا!!
وتناثرت الكلمات كالمطر المزهر خيرا بعد فصول القحط والجفاف.تساقطت الشعارات الرنانة كما تتساقط أوراق الخريف، لم يع أحد أن الجمل لا تصنع وحدة ولا توحد أمة. واستمرت رغم ذلك الجمل الرنانة:”إنها الاستثناء الوحيد في زمن التمزق والتشرذم”. “إنها الحقيقة الأزلية”، “واللحمة بين الجسد الواحد”… وما زال الغناء مستمرا ينسي الناس أوجاعهم,وحقائقهم…
و”سيري إلى العلياء لا تترددي ….يا من أراد الله أن تتوحدي”.
ما حدث بعدها كان أليما وواقعيا جدا، فما يأتي وليد للحظة قد ينتهي في لحظة مشابهة! لولا أنة ما زال هناك من يعتبرون الوحدة أجمل أحلامهم وأعمقها,متشبثين بإنجازهم الوحيد في هذه البقعة من الأرض, الخارجة عن الزمن التي لا تحدث فيها منجزات أو معجزات …, ولولا كل ذلك لكانت اليوم بعضاً من ذكريات وإخفاقات سابقة.
لانريد أن نصبح أضحوكة الشعوب؛ لم نبن دولة مهمة حتى اليوم ولكننا ربما نستطيع الحفاظ على ما تبقى مما حققناه يوما ما تحت تأثير العاطفة وربما الحاجة وربما الصدفة والحظ… وليس التخطيط على كل حال. نحن نعي ذلك الآن جيدا..
ولن نسدل الستار عما سبق لنبدأ حكاية جديدة …حكاية الوجع المختبئ خلف الأهازيج والرقصات وزغاريد الحمام!!ولكن لنبدأ حكاية المستقبل المختبئ خلف جميع ما سبق!!
من الصعب علي أن أكتب عن الوحدة اليمنية دون أن أكون شاعرة على جميع من يكتبون عنها خيرا أو شرا أن يكونوا شعراء..لا ليكذبوا باسمها أو لينسجوا الأوهام كعادة الشعراء الذين لا يلمسون الواقع بأقدامهم.. ولكن ليشعروا بوقع كلماتهم عليها من تجميل وتشويه في كلا الحالتين، دون أن يعطوها حقها من الفعل حتى اليوم!
لنتحدث أذن عنها حديثاً جديداً شاعرياً لا يغطي الحقائق ولكنة يقترب ليتحسس الحقيقة وبتعقل كمن يبحث عن مكامن الخلل ومواضع الجروح ليداويها ويصلحها بكل الحب والمشاعر الصادقة. ولنبتعد عن اجترار الأخطاء وترديد الشعارات المصدرة “كاحتقان الجنوب ” والتي باتت عنوان للصحافة وللمقايل والمنتديات كبديل لحرب صعدة التي تربعت زمنا ما لينتهي وقتها الآن، مستبدلينها بجرح جديد لا يقل إيلاما عن سابقه.
يا للسخرية!! نحن لا نقتات إلا من أوجاعنا، ولا نشبع ألا من أحزاننا، ولا نفكر سوى بتحطيم بعضنا البعض.. أفلا نستحق اللعنة، أننا مازلنا نستحق فرصة أخرى في الحياة مجددا نفكر فيها بطرق مغايرة ومختلفة لما فكرنا به لقرون مضت!؟
يقال ولم أشهد ذلك وقتها لصغر سني. بأن البراميل كانت حاجز الضعفاء بين اليمنيين بعضهم البعض. ويقال أيضا أن هناك سورا كان يدعى سور برلين الذي فصل الألمانيين أيضا،ولكن في بقعة أخرى من هذه الأرض! …
المفارقة جميلة,فتلك مجرد براميل وراءئها نفوس متعلقة بالوحدة والالتحام، وهناك سور في ألمانيا وحاجز أكبر ولكن مع ذات النفوس التي تتأجج رغبة بلقاء الأهل والأحبة من وراء ذلك الحاجز الشديد الصنعة الضعيف الأساس. يقال في بلد البراميل حكام لم يخططوا لشيء وساروا على البركة “وما بدا بدينا عليه”. وهناك في أرض سور برلين كانت حكومتان تخططان وتتدبران كل ما قد يلي الالتحام؛ فهناك غرب متطور وشرق متطور هو الآخر، وهناك خوف على ذلك البلد من أن تبتلعه خرافة التوحد التي تصمد بقوة العزائم. وقد كان لهم ذلك بأن ثبتوها من خلال رغبة حكامهم بمواجهة أي تحد قد يواجه وحدة الأرض والناس فنشروا الاستقرار، وأعادوا لألمانيا بهائها ودورها الريادي في العالم بكلمتي سر وحيدتين هما الديمقراطية، وثورة الاقتصاد، كما صرحوا هم بذلك..علاوة على النوايا الحسنة التي افتقدناها، للأسف، حتى يومنا هذا في بناء مشروعنا الوحدوي.
فما كان مخططا له هناك في ألمانيا لم يكن بالنسبة لنا سوى مفاجأة بدء مشروع الوحدة في 89م، بعد أخفاقات عديدة انتهت بلقاء بين زعيمي الشطرين داخل سيارة في شوارع عدن… كانت نهايته الدرامية اتفاقهما على وحدة اندماجية قلبت الموازين وغيرت التحالفات، وبجانب كل ذلك تحقيقهما لحلم قديم طالما حلم به اليمنيون كافة..
وماذا بعد ذلك؟
إن قراءة التاريخ تجعل الحاضر سهل الفهم وغير مستعص. أبدا ولأننا لا نلتفت إلى الوراء أبدا، وفي المقابل لا ننظر إلى الأمام، فليس بمستغرب أننا اليوم لا نرى أبعد من أنوفنا؛ وهذه هي النتيجة الحتمية لكل أفعالنا السابقة وربما اللاحقة… لتأتي حرب 94م الأهلية حصيلة لكل قصر النظر السابق أو لازدياد المطامع على حساب البناء والرغبة به. وكما قيل لنا وقتها لتبرير تلك الحرب، فقد جاءت لأجل إرساء قواعد الوحدة التي كان من المفترض أنها قد تحققت مسبقا، ولكنها لم تتحقق في ظل دولتين ما زال لهما كامل السيادة؛ مع رفض قادتهما الاستغناء عن تلك السيادة تحت أي مبرر. وكأن إعلان الوحدة لم يكن المبرر الأكبر وما حدث لم يكن سوى صفقة أصبحت غير رابحة بشكل أو بآخر، لم تكن الوحدة حتى هذه اللحظة للأسف، هدفا ولكن مجرد وسيلة لا أكثر…
وبعد تلك الحرب وتلك التضحيات لأجل الحلم الذي لا يراه سوى البسطاء، ظهر شعار أصلاح الوحدة وإزالة المظالم عن المناطق الجنوبية متناسين أولئك الذين رفعوا، ومازالوا، تلك الشعارات أن مشكلة أكبر من الجنوب قد بدأت تنتشر وبسرعة الضوء تجتاح الجميع، تلك الآفة هي الفساد الذي لم يستثن شمالا من جنوب لمحبي الفرقة, ولم يستثن عدنياً من صنعاني، ولم تسلم منه امرأة أو طفل أو أرضية أو مدرسة أو عقار في ربوع اليمن كافة…
فإذا بلغة الانفصال الضعيفة تعود من جديد ليتبجح بها أصحابها تحت مبررات الحق والحقوق من خلال تساؤلاتهم الضيقة حول الوحدة، وما مدى ما حققت؟ وما هو مأمول منها من تطور في شتى المجالات, وأهمها الحقوق والقضاء العادل والتعليم والصحة وإلى محبي هذا السؤال الذي يطرح فقط على جزء من الوطن وليس كله أسألهم كذلك: وهل التشطير سيفعل كل ذلك، وسيبني جنوبا مزدهرا وقويا وشمالا بنفس المستوى!؟
إن كان كذلك، فلماذا لم نشهد ذلك قبل الوحدة!؟ وأن كان سيحدث الآن، فلماذا بحق السماء لا تمدون يد عونكم للبناء بدلا من الهدم والإطاحة بالشيء الجميل والوحيد لهذا الشعب في فتراته الأخيرة!؟
فالوحدة أكبر، يا هؤلاء أينما كنتم وكيفما كنتم تلبسون أنفسكم بالوحدة أو الانفصال. هي أكبر من أن تكون مجرد فيد ووسيلة لجلب الأموال ولازدهار مصالحكم الذاتية, إنها لبنة حقيقية للبناء والازدهار، بل هي حجر أساس لكل ما هو قادم.
لا أرفض أن نبدأ بمعالجة أخطاء الوحدة…والسؤال عن أهوام تتالت لم ير بها المواطن خير تلك الوحدة التي كانت واعدة بالكثير… ولكن ونحن نتمسك بها ونرفض من قد يراها وسيلة للرفاهية لا أكثر.
لا أرفض أن نتحدث عن الظالم والمظلوم ولكن في ظل احتوائنا لترابها العزيز جنوبا وشمالا دون استثناء، وحمايته من كل من قد تسول له نفسه التفريق والانفصال من جديد… فما أقبح لغات الشر و أخطرها! وما أجمل لغة الخير إن توجها العمل!
دعونا من صراع الحكام ولنفكر بطريقة مغايرة ولمرة أولى بعيدا عن غسيل أدمغتنا بما يريدون هم وترديدنا لما يهتفون له، ولنجبر جميع الأطراف بسماعنا ولو لمرة واحدة.
على الحكومة أن تقدر أهمية الحوار مع المختلفين وفائدته لبقائها أطول فترة ممكنة إن أرادت العمر الطويل، كما أن على المخالفين البحث عن حلول للجميع وليس لجهة واحدة من الوطن وكأن الآخر لا يعنينا بشيء!
وعلى أولئك المتحدثين باسم العقل أن يخرجوا الآن من هدوئهم لفعل ما يمكن عمله قبل أن تصل الأمور إلى ما لانريد، وما لا قد نتخيل حدوثه يوماً ما، كي لا ننسى أن الوحدة هي إنجازنا الأهم, ورعايتها تحدينا الأكبر, وبناءها هو واجبنا جميعا.
“ما أجمل أحلام الكاتب! وما أتعسه عندما يراها الآخرون مجرد تخاريف!”.