عند ما يتعرى الجوع – يحيى سعيد السادة

عند ما يتعرى الجوع – يحيى سعيد السادة

ما إن يقترب اليوم الأخير من الامتحانات سواء في الجامعات أو المدارس، حتى نجد فريقين من الآباء، كل له شعوره المختلف عن الآخر إزاء ما بعد هذا اليوم. إذ ينتاب أحدهما شعور بالقلق والخوف من المصير المجهول الذي ينتظر أبنائه خلال فترة الفراغ الصيفي لقناعتهم أن مقاعد الدراسة في ظل الفوضى والإنفلات الأخلاقي الذي يعم الشارع هو المكان الملائم والآمن، بينما الفريق الآخر ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر لقناعته أن المكان الطبيعي لأبنائه، في ظل الظروف المعيشية الحالية هو ميدان العمل بغية البحث عن لقمة العيش أياً كانت الأعمار وأياً كانت التبعات المترتبة على ذلك كون الظروف التي يعيشونها هي الأكثر صعوبة والأشد تعقيداً، بحيث يطغى هاجس الجوع والصراع على البقاء على غيره من حنان وعاطفة. لذا لا يجد أبناء الفقراء وقتاً للراحة؛ فما إن يخلع الواحد منهم زي مدرسته حتى يستبدله بزي بال ورث، يواصل به عراكه مع الحياة ومكايداتها في ظل انعدام فرص عمل تليق بعمره الطري، وتضمن سلامة جسده من أي خدش. كثير من الأسر الفقيرة والمعدمة تدفع بأغلى ما عندها وهم الأبناء الصغار، الى حلبة الصراع لمنازلة الجوع دون السن القانوني الذي يؤهلهم لهذه المنازلة الضارية، الأمر الذي ينعكس سلباً على نفسياتهم وأخلاقياتهم خاصة في ظل وضعنا الاجتماعى والمعيشي الراهن. حيث طغت المادة على القيم والمثل والأخلاقيات وتجرد البعض من ضميره مما جعل بعض صغار السن لقمة سائغة في متناول أفواههم. لقد صادقت بلادنا على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في عام 1991م التي تنص في المادة (32) منها على حق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي أومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطراً أو يمثل إعاقة لتعليمه أو ضاراً بصحته أو نموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي. وتدعو المادة الدول الأطراف إلى اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل تنفيذها. إذن القوانين الدولية ذات الطابع الإنساني تحرم العمالة لصغار السن على إعتبار أن مكانه الطبيعي هو مقعد الدراسة. فيما يمكنه تسخير وقت فراغه عند العطل الصيفية من خلال المعسكرات الصيفية والأندية الرياضية والحدائق والمراكز الثقافية والمكتبات. إذ تعد جميع هذه المرافق وسائل لتفريغ الشحنات و الطاقات بدلاً من إهدارها في سلوكيات خاطئة تشكل تراكماتها وبالاً وخطراً على المجتمع. قابلية التطبيق لكل ما ورد ممكن ولكن في بيئة غير بيئتنا. إذ أن مثل هذه القوانين والاتفاقيات تتناسب وسلوكيات حكومات وشعوب الدول الأسكندنافية وتتناغم مع توجهات العالم المتحضر وحكوماته التي لم توافق بالتأكيد على صياغة مثل هذه الاتفاقيات والتوقيع عليها إلا بعد أن ضمنت العيش الكريم لأسر أولئك الأطفال بحيث لا نجد رب أسرة يفكر، مجرد التفكير، بتسريب طفله لأي ميدان من ميادين العمل. بينما واقعنا مختلف تمام الاختلاف إذ تنتهي مهمة حكوماتنا المتعاقبة عند عملية التوقيع لمجمل الاتفاقيات الدولية، شأنها شأن الكثير من الدول المصنفة في خانة التخلف، والتي تعاني من أختلالات إقتصادية وأجتماعية تعيق تنفيذ مثل تلك الاتفاقيات. حيث تعاني بلادنا من اتساع فجوة تلك الاختلالات؛ الأمر الذي أدى الى أنتشار ظاهرة عمالة الأطفال نتيجة أتساع دائرة الفقر والذي نتج عنه ثلاث ظواهر خطرة تمثلت بظاهرة التسرب المدرسي وظاهرة التشرد وظاهرة التسول التي كانت محصورة بالعجزة والمعوقين. حيث امتدت هذه الظاهرة لتشمل صغار السن. إذ الملاحظ أن بعض أولياء الأمور الذين لا ضمائر لهم حتى وإن كانوا في أشد حالات الفقر يدفعون بأبنائهم وبناتهم، تحت سن العاشرة، الى ميادين التسول مهددين إياهم بالضرب المؤلم ما لم يعودوا ببعض المال. لقد صادفت أطفال ذات يوم بالكاد ينطقون كانوا يبكون بكاءً محرقاً ملحين بالسؤال ومتوسلين بحجة عدم قدرتهم على العودة الى مأواهم ما لم يكن بحوزتهم أكل أو نقود. مهما كانت المبررات فإن الدفع بهؤلاء الأطفال لتحمل مسؤولية هي فوق طاقتهم وأعمارهم أمر غير مقبول على أعتبار أن هذا السلوك مقدمة للتشرد خاصة إذا عجز الطفل عن الوفاء بالتزاماته اليومية لأبويه. الأمر الذي يستدعي أن تتوقف عنده الدولة طويلاً وأن تتمعن في دراسته مختلف الجمعيات والمنظمات المدنية ذات الاهتمام بهذا الجانب؛ بغية وضع مخرج لهذا المنزلق الاجتماعي وإلا فماذا ننتظر من جيل يفتح عينيه على مثل هذه المآسي بحيث لا يجد في يومياته غير وحوش ضارية تتجسد في أقرب الناس إليه وهم الأبوان، عوضاً عن سلوك بعض الشواذ الذين أغرتهم الحياة بزيف بريقها وأعمتهم المادة فإذا بهم يتأففون من الفقراء والجائعين؟ فلكي يتخلص أحد النرجسيين من إلحاح جائعة في سؤاله، ولكي يمنع اقترابها من ملامسة ثوبه، لم يجد غير وسيلة قذرة يسكت بها ما تبقى من بحيح صوتها المستغيث بأن زجرها متهماً إياها بسرقته.
لقد فوجئ الناس في مكان عام بامرأة ذات لون أسمر تحاول خلع ملابسها الرثة قطعة تلو الأخرى صارخة أنها ليست سارقة، بل جائعة تبحث عن ثمن رغيف عيش لا أكثر، ملحة على من تواجدوا تفتيش ثيابها. ظلت تردد ذلك على وقع خطواتها والناس يحومون من حولها كل يحاول إثناءها عن إكمال ما أقدمت عليه، متدافعين بغية ستر عورتها، متوسلين إليها أن تعاود إرتداء ثيابها المهلهلة، عارضين عليها بعض النقود. ارتدت الثياب منكسرة. لم تقبل نقودهم على كثرتها رغم أنها كانت تبحث عن أقلها، منهية هذا المشهد اللا أدمي واللا إنساني بقولها “الذي أغناه هو الحكم بيني وبينه”. كانت منهكة ومتعبة. لا أدري من كان يئن من الآخر هي أم ضعفها. القهر الذي بدا لي من ارتعاشها وعدم تماسكها أنبأني أن في قلبها نار الخليل. لقد عضها الجوع بنابه فدفع بها إلى هذه المكان. علها تجد إنساناً فإذا بها أمام وحش كاسر، ما إن نفث بسمه الناقع حتى اختفى من الساحة مستغلاً إنشغال الناس بتلك المسكينة إلا أنه لن يفلت من يوم الحساب التي اختارته تلك البائسة التي ظلت تردد كلاماً غير منطوق بينما دموعها لم تجف. أخذت طريقها بمحاذاة الشارع، لم ترفع رأسها على طول ذاك الطريق، ولم تمد يدها للسؤال رغم قهرها وفقرها وجوعها. ظلت الأنظار المحتشدة تراقبها حتى لحظة اختفائها ثم بدأ الصراخ وتأنيب الضمير بعد اختفاء الجلاد الذي لا يمت للإنسانية بصلة. الحالة الذي ظهر بها ذاك المريض هي حالة استثنائية لسلوك غير طبيعي تندرج في خانة الحالات الشاذة إذ لا تمت لديننا وأخلاقنا وقيمنا وعادتنا وتقاليدنا. فلا يعقل أن أحداً لا يعرف معنى الجوع حتى لو كان ميسوراً، فالجوع أكبر عدو للإنسان والحيوان على السواء. فإذا ما أراد البعض أن يقترب من هذه الحقيقة أكثر عليه فقط أن يتقمص شخصية أحد الفقراء المعدمين، ولو لبعض الوقت بغية الغوص في أعماق حياته، إذ سيكتشف حتماً في قاعه أسراراً دفينة علقت به منذ اللحظات الأولى لمولده. فالجوع والهم والبؤس والشقاء والظلم كلها أحمال أعجزت هذا الفقير عن الطفو على سطح الحياة الكريمة. فمن البديهي أن البعض لا يتصدق حتى لو كان غنياً كونه مصاباً بمرض البخل، إلا أنه لن يفكر بأن يتخلص من سائل بالطريقة التي رأيناها كون هذا السلوك إستثنائياً لا يصدر إلا من مريض يرى في نفسه وتكوينه شيء مختلف عن غيره فيما درجة نرجسيته في أعلى مستوياتها. لا أخفي القارئ أنه كلما واجهتني مثل هذه المشاهد اللا إنسانية لا أتأخر لحظة في التوجه والإصغاء لتشخيص الأديب والشاعر الفيلسوف إيلياء أبو ماضي الذي كان هو الآخر ومنذ أكثر من قرن من الزمان لا يطيق رؤية مخلوق يتعالى على غيره محقراً إياه بقوله:
نسي الطين ساعة أنه طين
حقير فصال تيهاً وعربد
وكسى الخز جسمه فتباهى
وحوى المال كيسه وتمرد
يا أخى لا تمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت في البردة الموشاة مثلي
في كساء الرديم تشقى وتسعد
ولقلبي كما لقلبك آمال عظام
فإنه غير جلمد
أيها الطين لست أنقى وأسمى
من تراب تدوس أو تتوسد

[email protected]