ماذا لو لم تتأخر سندريللا؟ – هدى جعفر

ماذا لو لم تتأخر سندريللا؟ – هدى جعفر

لطالما كانت لعبة “ماذا لو” محببة للناس -ولي انا بالذات- لأنها تتيح لهم أن يكونوا ضمن حالة معينة من التميز بحيث يتخيلون أنهم هم وحدهم يملكون القرار دون سلطة قدرية مكتوبة سلفا او سلطة مجتمعية تقهر او تمنع او تجرم, ولذلك تراهم يقذفون اجاباتهم بعد تفكير عميق أو هم يظنون كذلك وغالبا ما يحدث هذا الفعل (التفكير العميق) مقترناً بفعل تقطيب للحاجبين ومداعبة الذقن اذا كان المسؤول رجل ومداعبة لشحمة الاذن أو للشعر المصبوغ بلون أصفر باهت اذا كانت انثى، بعدها يقذف أو تقذف بالاجابة في وجهك والتي غالبا ما تدل على مستوى سطحي من التفكير او معرفة “أسطح” بالنفس وكانك يا بوزيد ما فكرت. ولكن هنا انا لا أحاول أن أختبر ذكائك فالمجلات التي تفعل ذلك “على قفا من يشيلـ” بقدر ما اريد ان اختبر مدى معرفة الانسان بجوهر الحياة لأن الأسئلة لا تتعلق بحياتك، بل تتعلق بحياة شخوص اخرين نجحوا في الدنيا وربما في الآخرة اعتمادا على مقولة أن رحمة الله تنزل على المؤمن والكافر. هذه الشخوص التي طالما أرقتني في طفولتي وعقدتني في مراهقتي، الشخوص التي يسميهم الغرب cartoons واسميهم ابطال القصص الخيالية وتسميهم جدتي “نطف ابليس” ماذا لو لم تتاخر في ليلتها الأخيرة مع الأمير؟
ماذا لو لم يضل روبنسون كروز طريقه في المحيط؟
ماذا لو تَدل ليلى الحمراء الذئب الى منزل جدتها؟
ولمن ليس لديه وقت للتفكير أقول سندريللا مثلا لو كانت “انجليزية المواعيد” وعادت الى منزلها في منتصف الليل في ليلتها الاخيرة كأي سيدة انجليزية تحترم نفسها لما فقدت حذاءها الكريستالي ولظلت خادمة في منزل أبيها إلى أن تموت، وكانت ستعنس ويفوتها القطار والعربة والسفينة وحتى “جاري الجملـ”، أو ربما اذا كان حظها افضل قليلا لتزوجت من بيتر، بائع الحليب، أو جون، بائع التفاح ولن يكون هناك بعد ذلك ممثلة عربية جميلة سميت باسمها. وليلى الحمراء لو كانت طفلة مطيعة تسمع كلام أمها وتمتثل لأوامر “الضفدع كاملـ” الشخصية الاجمل في “افتح يا سمسم” وذهبت الى منزل جدتها من دون ان تضل طريقها وتقابل الذئب لما كشف أمره ولظل يعيث في الغابة فسادا ولكبرت هي دون ان تتحول قصتها الى اسطورة للفتاة الصغيرة – انا – التي ارتدت اللون الاحمر في كل مناسبة وماتت قهرا لأن شقيقتها فازت باسم ليلى قبلها.
وكذلك السيد كروز لو أخذ احتياطاته قبل سفره بأن وضع الخريطة في مكان أمين ووصل إلى وجهته الصحيحة لعاشت أسرته وماتت كأي أسرة سويسرية أخرى دون ان تتحول قصة ابنته الى مسلسل كرتوني شهير في الثمانينيات ويسمى باسم وحيدته “فلونة الجميلة” بالمناسبة يقال ان دانيال ديفو مؤلف القصة قد سرقها من الرواية العربية (حي بن يقظان).
 لا أريد أن أزعج الآباء والأمهات والمدرسين ووزراء التربية والتعليم، ولكني أشعر فعلا أن المثالية لم تكن يوما خصلة حميدة، بل لا أدري إن كان هناك ما يسمى بالمثالية من الاساس رغم أني استلمت شهادة الطالبة المثالية عندما كنت في عمر الثالثة عشر وإلى الآن لم أعرف السبب الذي دعى إدارة مدرستي لهذا العمل.
اؤمن كثيرا أن الاخطاء هي التي قادت البشرية إلى مناطق أجمل وآفاق أرحب والمثال الذي في طرف قلمي هو ان ان الموضة جاءت للعالم من غلطة حائك ايطالي اخطأ في قص الفستان لسيدة ارستقراطية من أسفل فلم يجد إلا أن يكذب عليها ويخترع مصطلح الموضة. هذه الغلطة التي كانت ومازالت مصدر لقمة البافيت – الخبز الفرنسي الشهير – التي يأكلها مصممو الازياء وعارضاتهم (الخشب المسندة) الى الآن، ولمن يريد أن يرد علي دينياً ويثبت لي أني ضعيفة الايمان وربما يفكر في نشر ايميل ليحذر الناس من قراءة مقالاتي، أقول أن النبي عليه الصلاة السلام قال “كلكم خطَّاءون وخير الخطائين التوابون”، وقصة الولد المسرف معروفة لدى الاخوة المسيحين وكيف أن الخطأ والخطيئة قد قربت الابن العاق من الرب دونا عن اخوانه المثاليين. الخطأ ليس عيبا ولا جريمة، بل عدم ارتكاب الخطأ هو الخطأ بعينه واذا لم تصدقوني اسالوا سندريللا!!!
[email protected]