«الأرض الطيبة».. حيٌّ برائحة الموت!! – بشرى العنسي

«الأرض الطيبة».. حيٌّ برائحة الموت!! – بشرى العنسي

دفعات من الشوال تصل إلى ذلك الحوش الغامض، معبأة بأنواع مختلفة من الخردة. يستقبلها العمال طوال يومهم، بادئين بإنزالها من على القلابات، ثم فرزها، ليقوموا بعد ذلك بكبسها وإعادة تعبئتها من جديد.

عمل يستمر طوال اليوم، فيما عدا ساعات قليلة يأخذها العمال للإستراحة. الليل هو الآخر يحظى بعرقهم حتى ساعة متأخرة منه، لا يُسمع سوى أصوات الخردة، وهي ترتطم ببعضها، جراء سرعة العمل الذي تقوم به كل مجموعة من العمال في زوايتهم. ونادراً جداً ما يسمع صوت أحدهم، يعملون بخفة و هدوء ومن يحلظهم من بعيد يشعر كأنهم يقومون بعمل ممنوع يسارعون في إنجازه قبل أن تكتشفهم الأعين.
حوش كبير يقع في حارة «الأرض الطيبة» محاط بسور على جميع جوانبه، له باب واحد، ونادراً ما يفتح إلا لإستقبال القلابات أو مغادرتها. أما العمال فهم نادراً ما يخرجون منه. يقضون يومهم وليلهم هناك، فقد أصبح مكاناً للعمل وللسكن، أغلبهم كما يبدون من الفئة المهمشة، يزيدون عن العشرين، لا يرتدون أي واقي لأيديهم وأرجلهم المكشوفة، تلك الملابس العادية التي يعملون بها، هي نفسها التي يخلدون بها إلى النوم، سواد اجسامهم إختلط بصدأ الخردة التي يعملون عليها، فزادهم سواداً إلى جانب ما منحتهم إياه الشمس.
ذلك حال مجموعة من العمال غابت عنهم الرقابة والسلامة الصحية والمهنية، فآثروا أن تغرب عنهم أعين الصحافة كذلك، رافضين أي محاولة لدخول ذلك الحصن أو الحديث مع المجندين فيه، وما استطعت الخروج به إلى جانب مشاهداتي اليومية، هو حديث مقتضب عبر التلفون مع من سمى نفسه بالمدير المسؤول عن الحوش، محمد عبدالكريم، الذي قال بحذر: «نحن نقوم بكبس الخردة (علب، ألمونيوم) وغيرها، ونعيد شحنها إلى الصين وكوريا وعدد من الدول الأخرى». وأضاف أن لديهم ترخيصاً لمزاولة العمل، وأن العمال يشتغلون ثماني ساعات يومياً، كما أنهم يقومون بعمل فحوصات لهم للتأكد من سلامتهم، وأن العمال لا ينامون في الحوش إلى جانب الخردة. إلا أن كلامه كان مناقضاً تماماً للواقع وما رأته العين.

لقمة العيش المغمسة بالموت
عمال الحرف الصغيرة، برغم كثرتهم في اليمن. إلا أنهم الأسوأ حالاً بين غيرهم، يعملون في مهن يرفضها كثيرون بسبب مخاطرها. ويقبضون حفنة من المال، يحمدون الله عليها كونه رزقاً منه، عمال ذلك الحوش الغامض، الذي مثله كثير، وعمال الورش: السمكرة والنجارة والمصابغ… وغيرهم، وغيرهم، كل أولئك العمال يفتقدون إلى السلامة المهنية والصحية، يستغلهم رب العمل ويغفل عنهم المختصون والمسؤولون.
علي الذبحاني، مدير وحدة السموم في الهيئة العامة لحماية البيئة، أجاب عندما سألته «النداء» عن متابعة الهيئة لمثل كذلك موضوع، بعدم وجود ميزانية للنزول والمتابعة.
أما رئيس الهيئة، محمود شديوة، فأجاب بأن الإدارة العامة للصحة والسلامة المهنية تختص بالأمر، وأن الهيئة لديها حالياً برنامج مع الإدارة حول الموضوع.
في حين قال عوض الحنشي، مدير عام الإدارة، إن القوانين والتشريعات تلزم العمال قبل البدء بالعمل بعمل فحص أولي، ثم تليها فحوصات دورية أثناء العمل. وهذا غالباً ما يطبق في المصانع الكبيرة. أما فيما يتعلق بالحرف الصغيرة فقد أكد الحنشي تقصير الإدارة في هذا الجانب، رغم أنهم يدخلون ضمن الإشتراطات الصحية والمهنية. وأوضح أنه لا يوجد اهتمام بهم، كالعمال بالمصانع الكبيرة.
هذه كانت ردود بعض المختصين، والتي من خلالها نكتشف أن أرواح عمال الحرف الصغيرة في مهب الريح فلا يوجد اهتمام بصحتهم، لا من الحكومة و لا من أصحاب العمل. المصيبة كذلك عدم وجود احصائيات أو دراسات لأوضاع هذه الشريحة وصحتهم.

هذا هو حالهم
العامل عندما يتقدم لمثل هكذا عمل لا يهتم بما قد يصيبه، سواء على المدى القريب أو البعيد؛ فكل ما يهمه هو أنه وجد عملاً يقتات منه. ويخاف الشكوى أو التذمر؛ خوفاً من طرده من العمل الذي يجر ويلاته مستقبلاً. أمراض جلدية وسرطانات، إضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي المختلفة هي كأبسط ثمن يقبضه أولئك العمال. سرطانات العيون كذلك تأتي كأحد تلك المؤثرات؛ حيث أشار الدكتور طلال حيدر، رئيس الجمعية اليمنية للعيون ورئيس قسم العيون في مستشفى الكويت، إلى وجود تداخل كبير ووثيق بين البيئة، كمؤثر وصحة العين كطرف ثان وهو الأمر الذي يلاحظه من خلال الحالات التي تصله، حد قوله. ويضيف الدكتور أن البيئة الحارة والجافة، وكذا الغبار، لها تأثير علىالعين، مؤدية لعدة أمراض، منها «الظفرة» (pteryium) وهو مرض يصيب الملتحمة، يشكو خلاله المريض من حرقان واحساس بعدم الإرتياح، وكذلك التراخواما (Trachoma) وهو يصيب الملتحمة أيضاً والأهم من ذلك بعض السرطانات التي تصيب العين.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تنظم هذه الأيام ورشة مع منظمة العمل، لتعديل بعض فقرات قانون العمل، وكذلك استحداث أبواب جديدة فيه. رغم أن التشريع والقوانين لا تنقصنا؛ فهي كثيرة والحمد لله. وما نحتاجه فعلاً هو التطبيق والمتابعة. إلا أننا نأمل من الوزارة ومن الإدارة العامة للصحة والسلامة المهنية والجهات المختصة النظر في قضية تلك الشريحة بجدية واهتمام أكبر.
[email protected]