نائب الرئيس في مهمة عاجلة – جلال الشرعبي

نائب الرئيس في مهمة عاجلة – جلال الشرعبي

يظهر نائب الرئيس ككاتب محترف وصاحب مهمة وطنية عالية عند كل مناسبة سنوية للوحدة. وتتصدر كلماته الحماسية صدر الصحف الرسمية وميكرفونات الإعلام المرئي والمسموع.
ومع انتهاء الاحتفاء بالوحدة تكون الحاجة الرئاسية إليه عندما تبدأ الاحتقانات في المحافظات الجنوبية.
إن إيجابيات عدة يتحلى بها النائب عبدربه منصور هادي، الذي ظل أثناء الانتخابات ومع الأحداث السياسية الهامة، مترفعاً عن الحديث بابتذال وتحقير؛ الآخر إذ غالباً ما يكسو نبرته البدوية الحياء ويغطي سنا كلماته البساطة والإصفاء.
ربما صار الآن عليه أن يغير هذا الأمر. عليه إذاً أراد أن يبقى كرسيه المهدد بمغادرته، أن تكون مهمته الآن مختلفة وأن يكتب خاتمة رواية القائد العسكري الذي نال شهادات التقدير في برلين ولندن وموسكو، باسلوب جديد حتى لا تتدحرج عجلات الكرسي الأكثر شبهاً بكرسي الحلاق التي ينتظرها آخرين أضحت شعور رؤسهم بحاجة لقرار جمهوري لاقتلاعها.
لماذا هو الآن على غير عادته؟ إنه يقف أمام وجوه يعرفها جيداً.
من ماذا يخاف عبدربه منصور هادي؟ وهل يعتقد أنه أسرد جمائله ووزع مكرماته حتى باتت تظلل لحج وعدن وشبوة وحضرموت؟
غير قصر ضخم على ساحل أبين في عدن جسد تشابهه مع قصر صنعاء الوحدة اليمنية. ما من ذكريات له هناك.
وماذا يحمل ابناء شبوة له من جميل سوى أنه أدار عنهم اهتمامه ليكرس لديهم القناعة بأن كسب ود الرئيس علي عبدالله صالح يأتي بالكثير من الفائدة حتى إن وصل بعضه حد التقديس.
عبدربه منصور قائد عسكري، نعم.
رجل يجيد اللغة الإنجليزية والألمانية والروسية نعم. وغير لائق به أن يكون حامل التكليف بالنيابة لإطلاق لسانه للسب والقدح واعتبار متقاعدين يطالبون بحقوق قانونية، انتهازيين ويتجاوزون خط الوحدة الأحمر.
من حقه أن يدافع عن موقعه الرئاسي، ليس باعتباره هبة من الرئيس علي عبدالله صالح، وعن مصالحه ليس كونه حارس مرمى الوحدة في الجنوب.
ومن حقه أيضاً أن يمارس صلاحياته ويعيش حياته كيفما شاء وذاك شأنه.
لكنه الآن يبدو كمن تهدده المخاوف على الدوام، تلاحقه درجة النائب باعتبارها مكرمة خاصة من الرئيس علي عبدالله صالح. وتتبع خطواته المرتدية لبدلة الرجل المدني على الزي العسكري ما يشبه التهديد بالإقالة باعتباره نائباً ليس له ما يتكئ عليه في دستور دولة الوحدة. حتى أصبحت شرعيته خاضعة للمزاج والقرار الجمهوري باليقين مؤجل إلى الأبد.
إن نائب الرئيس أكثر معرفة ودراية بمشاكل المتقاعدين، وكيف غدا الاحتقان في النفوس يتصاعد يوماً بعد آخر بسبب السياسات الخاطئة لنظام يتعلق فيه كرجل ثان، وكان المؤمل أن يكون تدخله للحل بإسداء النصيحة للحاكم، يقدم له الحلول لتدارك أزمة نتائجها ستؤثر على اليمن عموماً. في عقلنة خطاب إعلامي يعيش على معالجة الأزمات بمزيد من الأزمات، لا أن يزيد من نفخ الميكرفون وإرسال العبارات المسيئة واعتبار من كانوا بالأمس زملاء مهنة شرذمة غير وطنية.
فالأولى أن يجلس ويحاور ويستمع، فهو الأقرب إليهم والأكثر معرفة بهم، لا أن يعتلي المنصات ليلقي من خطابات علٍ وكأنه ساعي بريد في قرية أهلها أميون.
على الفريق عبدربه منصور هادي أن يتذكر عندما ضاق به الحال بعد خروجه من جنوب اليمن إلى شماله قبل الوحدة على إثر أحداث يناير 1986، وافق على أن يكون مع المئات من زملائه من القادة العسكريين أن يكونوا مسدساً للإيجار في ليبيا والزعيم القذافي الذي تخرج معه في دفعة عسكرية واحدة، في حرب مع تشاد.
وحين اشتد بهم المقام وضاعت إمكانية تحقيق أي نجاح في الميدان أعلنوا التوقف وطلبوا المال، فما كان من الزعيم إلا أن أرسلهم في سفن عبر البحر عائدين إلى الحديدة وجيوبهم خالية مثلما ذهبوا.
إن الجوع والحرمان يدفع إلى ما هو أشد. وعلى نائب الرئيس أن ينظر للمتقاعدين من هذا الباب. وهو أدرى بمن كانوا بالأمس رفاقه وأضحوا الآن في فائض الحاجة.
[email protected]