سلام مربع لصحيفة «النداء» – سعودي علي عبيد

سلام مربع لصحيفة «النداء» – سعودي علي عبيد

من البديهيات بل والمنطقي، أنَّ القارئ أو المهتم بالصحافة، قلّما ينجذب إلى أية صحيفة أو جريدة بشكلٍ فوري أو على التو. بمعنى أنّ الانجذاب أو الإعجاب أو التعاطف مع هذه الصحيفة أو تلك، يتم بعد عدد من التلاقي بين هذا الشخص وتلك الصحيفة، أي بعد إكمال قراءتها وتفحصها، والتعرف عليها وعلى محتوياتها ومكوناتها ومضمونها وتفرعاتها وتقسيماتها. إلا أنّ هذه البديهية قد فشلت في إثبات وجودها في علاقتي بصحيفة “النداء”، حيث كانت الحالة هنا وعندي مختلفة تماماً.
 وباختصار، فقد بدأت الحكاية منذ اللحظة الأولى التي علمنا فيها، عن نية الأستاذ سامي غالب إصدار صحيفة “النداء”. ولذا فقد كان انتظارنا ليوم الأربعاء الموافق ل13 من أكتوبر 2004، يشبه من ينتظر مولوده الأول. واكتملت فرحتنا بحصول كلّ منتظرٍ على نسخته من العدد الأول من الصحيفة.
 وبعد أنْ أكملنا قراءة العدد، تأكد لنا بشكلٍ قاطع، أننا لم نكن مخطئين في انتظارنا لذلك المولود الجميل “النداء”، وأنّ توقعاتنا كانت في مكانها تماماً.
 وكمثل كلِّ شيء في هذا البلد الذي ابتُلي بهكذا سلطة، فقد تعرضت الصحيفة لمحنة من هذه السلطة، تمثلت في توقيف العدد الثاني بذريعة واهية وتافهة، وهي أنّ الصحيفة صدرت بدون ترخيص، وهو عذر أقبح من ذنب كما يقول المثل المأثور، وإلاّ فكيف يمكن أن تتولى مطبعة ما، طباعة صحيفة معينة دون أن تقدم لها الوثائق الخاصة بعملية ترخيص إصدار هذه الصحيفة. إلا أنه بفضل تصميم وإصرار القائمين على الصحيفة، ومساندة كلّ من تعزُّ عليه حرية الكلمة والمدافعين عن الرأي والرأي الآخر، استطاعت “النداء” أنْ تكسب قضيتها العادلة، وعادت إلى الصدور.
 وكأية ظاهرة، وعلى مدى فترة زمنية تقارب السنوات الثلاث، استطاعت هذه الصحيفة أن تكوِّن لنفسها السمات الخاصة بها، وهي كثيرة. إلا أنني سأكتفي بذكر السمات الآتية:
1 – الشمولية: بمعنى شمولية وتعدد القضايا التي تتناولها “النداء”، حيث نجد فيها المواضيع السياسية: المحلية والعربية والدولية، ونتعرف على الحالة الاقتصادية، ونصقل أذواقنا عند الاطلاع على ما تحتويه الصفحة الثقافية من مواضيع متنوعة. وهناك صفحات لمساهمات أصحاب الرأي، وحقوق الإنسان… إلخ.
2 – الجدِّية: فعندما تتناول “النداء” أية مسألة مهما كان محتواها، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حقوقية أو إنسانية بحتة، أو غير ذلك، ومهما كان حجمها كبيراً بحجم الوطن أو أقلّ من ذلك، ومهما كانت هذه المسألة عامة أو خاصة، فإنّ الجديّة والتمحيص والتدقيق، هو شاغلها الأول والأخير. فنحن لا نعرف “النداء” إلا أنها جادة على طول الخط.
3 – التجديد والتطور: فبرغم أنّ عمر الصحيفة لم يتجاوز الثلاث سنوات، إلا أنّ عملية التجديد والتطور التي تمت في الصحيفة، تبدو واضحة لنا، بل ومتوفرة بكثافة. فهناك تجديد في المواضيع المتناولة من قبل الصحيفة، وهناك تطور في عدد ونوعية المساهمين الذين يكتبون فيها، وهناك تجديد ملفت للنظر في الشكل العام للصحيفة وطريقة إخراجها. وأهم ما نلاحظه هنا، هو استخدام الألوان التي أكسبت الصحيفة منظراً جذّاباً.
4 – الدفاع عن القضايا العامة والخاصة: فهناك حيثما يتمظهر الظلم وتنتقص العدالة، نجد باستمرار صحيفة “النداء” تقارع الظلم مهما كان مصدره، وتطلب العدالة لأصحابها. وفي هذا الجانب فقد تناولت الصحيفة العديد من القضايا التي تحمل هذا التوصيف. فتناولت ظاهرة الفساد والمفسدين، والعبث بالمال العام، وعرّت الإرهاب، وفضحت التفريط بالسيادة الوطنية. كما تابعت وقائع الحرب في صعدة، وتحدثت عن أهم قضية سياسية منسية، وهي قضية ضحايا الصراعات السياسية، وكشفت عملية تهريب الأطفال إلى خارج البلاد، ودافعت عن سجناء الحقوق الخاصة المعسرين، كما كشفت الانتهاكات التي صدرت من بعض مؤسسات الدولة، أو من بعض المتنفذين ضد بعض المواطنين، ومثال ذلك ما تعرض له كلّ من الطفلة سوسن، وأنيسة الشعيبي، وحمدان درسي، والقائمة طويلة.
5 – وطنية: بمعنى أنها تدافع عن الوطن من حيث اعتباره ملكاً لجميع مواطنيه، وليس باعتباره ملكية خاصة للحاكم الفرد، أو الزمرة القابضة على السلطة.
6 – الشجاعة والإقدام عند الإيمان بعدالة القضية المطروحة: وهنا نجد “النداء” وربّانها الأستاذ سامي غالب في خضم القضايا العادلة، عندما يتأكد لهما (“النداء” وسامي) أنّ القضية المطروحة عادلة، وبحاجة إلى الدعم والمؤازرة، ومن ثمّ تقديمها إلى الرأي العام. وذلك لأن الأستاذ سامي لا يؤمن بمعيار “هذا خيار وهذا فقّوس”، ولا يزن أو يكيل بمعايير أو مقاييس متعددة. وهذا عكس ما لمسته عند صحف أخرى، تُصنّف بأنها معتبرة أو من العيار الثقيل. والحديث هنا يجري عن الصحف الحزبية والأهلية.
 فعندما فكرت بنشر دراستي عن “الحرب اليمنية الثالثة الأسباب والنتائج”، اتصلت برئيس إحدى الصحف الأهلية وشرحت له المسألة، فطلب مني إرسال الدراسة بالبريد الإلكتروني للصحيفة، وفي الوقت نفسه أرسلت الدراسة عينها إلى صحيفة أخرى بواسطة بريدها الإلكتروني. فأما الأول فقد اعتذر بذريعة حساسية القضية التي تناقشها الدراسة. أما الصحيفة الثانية فلم تعطني جواباً، وكان عدم نشرها الدراسة، دلالة على الرفض. ثمّ توجهت على الفور إلى الأستاذ سامي غالب، فاتصلت به هاتفياً. وبعد التحية شرحت له الموضوع، وزدتُ أن أوضحت له بشكلٍ عام اهتماماتي ومهنتي، واعتذرت له عن عدم معرفة بعضنا بشكل كاف. ولكنه سرعان ما نبّهني إلى أنه يعرفني، وذكّرني بذلك اللقاء العابر الذي تمّ بيننا في صنعاء، عندما كان يعمل في صحيفة “الأسبوع”. وهذا يدلُّ على أولاً وقبل كل شيء، أنّ الرجل يمتلك ذاكرة أكثر من ممتازة، وهذا لزوم العمل الصحفي. وحينئذٍ طلب إرسال الدراسة بهدف الإطلاع عليها. ثمّ تواصلنا عبر الهاتف، وأبلغني بأنّ الدراسة سيبدأ نشرها من العدد المقبل (والحديث هنا عن فترة سابقة). وزدت أن سألت الأستاذ سامي هل له تحفظات أو ملاحظات، ولكنه في رده على سؤالي هذا عبّر عن ترحيبه الكامل بنشر الدراسة وبدون تحفظ، بل وقيّمها بشكل إيجابي جداً.
 ومن المؤكد أنّ الذي حكم الموقف الرائع للأستاذ سامي غالب من هذه الدراسة، هو عدالة القضية التي تحملها الدراسة وواقعيتها، ومن إيمانه الذي لا يتزعزع بأنّ العدالة كلٌّ لا يتجزأ، وعليه ينبغي أن نعمل جميعاً من أجل جلب العدالة إلى أصحابها.
 هذه هي صحيفة “النداء” بسماتها وخصائصها وملامحها الزاهية الوضاءة التي تعرّفنا على بعضها فقط، وهي كذلك لأن على رأسها وفي مقدمتها يوجد شخص نبيل، هو الأستاذ سامي غالب الذي يمتاز عن كثيرين بسمات أخلاقية رائعة.
 وفي الأخير يحق لنا أن نقول بكلّ فخرٍ واعتزاز، إننا أمام ظاهرة اسمها “النداء”. وما تكريمها من قبل “منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان” إلا دليل راسخ على صدق ما سطّرناه في موضوعنا هذا.