هل قرعت الأجراس لنا؟ – سعودي علي عبيد

هل قرعت الأجراس لنا؟ – سعودي علي عبيد

في دراستي الموسومة بـ”الحرب اليمنية الثالثة الأسباب والنتائج” التي نُشرت على صفحات صحيفة “النداء” الغراء، أوضحت عند الحديث عن العوامل السياسية لحرب صيف 1994 بين الشمال والجنوب، أنّ أحد تلك العوامل يتمثّل في “إشكالية تحقق الوحدة بين الكيانين السياسيين في مايو 1990”. ذلك أنّ ما تمَّ تحقيقه ليست الوحدة، ولكنه مشروع للوحدة، سرعان ما انهار عند أول اختبار لهذا المشروع. كما خلصت الدراسة إلى أنّ الإشكالية لم تكن متجسِّدة في إمكانية قيام الوحدة من عدمها، ولكن الإشكالية كانت في “أية وحدة” ينبغي أن تتحقق؟ ومتى؟ بمعنى أنّ الإشكالية كانت كامنة في “مكان وزمان” هذه الوحدة. وقد تأكدت هذه الحقيقة من خلال مجموعة من الوقائع، نذكر منها ثلاثاً، وهي:
1 – إشعال حرب صيف 1990 ضد شعب الجنوب وعلى أرض الجنوب، لمجرد أنّ الجنوبيين عبّروا وأفصحوا عن استيائهم ورفضهم للواقع السيئ الجديد، الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد الوحدة وباسم الوحدة.
2 – استكمال عمليات الضم والإلحاق، واستباحة ومصادرة كلّ ما يمت بصلة للجنوب والجنوبيين.
3 – استخدام مختلف الأساليب والوسائل لطمس الهوية الجنوبية، ويأتي في مقدمة تلك الأساليب، التغيير الديموغرافي للسكان بواسطة زرع المعسكرات الثابتة في هذه المنطقة أو تلك، وإرسال الموظفين بمختلف مراتبهم القيادية من الشمال إلى الجنوب، وإعطاء المراكز القيادية في المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية للعناصر الوافدة من الشمال، وقبل ذلك تسريح الكوادر والموظفين الجنوبيين من تلك المؤسسات، سعياً نحو التصفية الكاملة للجنوبيين من الوظيفة العامة. وهذا ما لم يجرؤ الاستعمار الأجنبي على فعله على مدى احتلاله للجنوب.
وبرغم اختلال موازين القوى لغير صالح الجنوب وشعبه، إلا أننا كجنوبيين قمنا بالتنبيه مبكراً إلى الخلل والواقع السيئ، الذي نتج بسبب الحرب المذكورة، وحاولنا رفض الظلم والقهر اللذين وقعا على شعبنا من نظام صنعاء، باستخدام ما هو ممكن ومسموح به من طرق ووسائل احتجاجية، وهي في الغالب وسائل محدودة للغاية وغير فعّالة.
 ومع ذلك أخذت السلطة الحاكمة بالتعنت والممانعة، ولم تعترف بأخطائها، وزادت أنْ ألبستنا مجموعة كبيرة من النعوت، التي لفظها المجتمع الإنساني، مثل الانفصاليين والمتمردين والخونة والملحدين والمرتدين، وغيرها من النعوت السمجة الجوفاء.
وفي تعنتها ذاك، فقد استندت واستقوت السلطة الحاكمة بمجموعة من العوامل، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 – انشغال المجتمع الدولي بمحاربة الإرهاب، حيث استفادت السلطة من ذلك بسبب عدم اهتمام المجتمع الدولي بمحاربة الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية والشمولية، ومحاسبتها على جرائمها تجاه مواطنيها. وقد استغل نظام صنعاء هذه الحالة، وأخذ في تقديم الرشاوى السخية بذريعة التعاون مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، حيث تم التنازل عن السيادة الوطنية في الجو والبر والبحر، وسُمح باغتيال مواطني الدولة اليمنية بواسطة دول أجنبية، وتمّ التغاضي عن السجناء اليمنيين في قاعدة غوانتانامو العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية.
2 – الدور السلبي للحزب الاشتراكي اليمني تجاه القضية الجنوبية بدءا من الوحدة الاندماجية. كما تمثّل كذلك من خلال تجاهل قيادة الحزب تارة، وعدم اعترافه تارة أخرى بالقضية الجنوبية، وزاد مؤخراً أن سقط الحزب بشكل مروّع، عندما خدعه حزب السلطة (المؤتمر الشعبي العام)، وأرغمه على التوقيع على ما تسمى بـ”وثيقة قضايا وضوابط وضمانات الحوار” بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، حيث اعتبرت هذه الوثيقة كلّ ما يتعلق بنتائج حرب 1994 بمثابة مسائل حقوقية، وبالتالي تجريدها من كونها قضية سياسية ناتجة عن حدث سياسي بامتياز. وفي ذلك يكون الحزب الاشتراكي قد أكمل جريمته تجاه الجنوب، التي شرع بها عندما أدخل الجنوب وشعبه في النفق المظلم للوحدة الاندماجية في مايو 1990.
3 – سقوط قيادات الاشتراكي العائدة من الخارج في الوهم الخادع لإصلاح النظام السياسي القائم من جهة، ولهثها من جهة أخرى باتجاه تحسين أحوالها الذاتية، من خلال نافذة الرئيس المفتوحة فقط للقيادات العليا في المعارضة. وقد صادف أنّ أغلب تلك القيادات العائدة هي من أصول شمالية، أو جنوبية فاسدة، أو ذات تاريخ سياسي سيئ.
4 – مراهنة نظام صنعاء على صمت القيادات الجنوبية الأساسية المتواجدة قسراً في الخارج، فيما يخص القضية الجنوبية، أو ملامستها على استحياء في بعض الأحيان من هذا الشخص أو ذاك.
5 – مراهنة نظام صنعاء على قدرته على تدجين القضية الجنوبية، بواسطة سياسة الجزرة والعصا: الجزرة لمن أراد أن يبيع قضية الجنوب من الجنوبيين، والعصا لمن يرفض بيعها.
ومن المؤكد أنّ بقاء الحال من المحال، لذلك نجد أنّ محاولة السلطة على مراهناتها تلك قد خابت، وصارت القضية الجنوبية حقيقة ساطعة في الداخل والخارج، باستثناء هذه السلطة التي لا تريد أن تعترف بأنّ واقعاً جديداً قد نشأ لا يمكن تجاهله. ذلك لأنّ هذه السلطة الهوجاء، لا تدرك بأنّ “ما بنته الأيدي، تستطيع أن تهدمه الأيدي” بحسب قول شيلر.
وبالعكس من ذلك، فقد أدرك شعب الجنوب أنّ الحرية هي الضرورة التي قد تمّ إدراكها، لذلك فقد شرع الجنوبيون لإبراز قضيتهم باستخدام عدة وسائل، منها: تشكيل اللجان الشعبية وملتقيات أبناء الجنوب، والمطالبة بإصلاح مسار الوحدة الذي تبناه عدد كبير من القيادات الجنوبية في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي. كما أدرك الجنوبيون أنّ قضيتهم ونضالهم، يتطلبان أولاً وقبل كلّ شيء وحدة الموقف والصف تجاه الآخر المستهتر بهم. لذلك رفعوا شعار “التسامح والتصالح بين أبناء الجنوبـ”، لتجاوز الخلافات السياسية التي فرّقتهم. ومن أجل تحويل هذا الشعار إلى حقيقة، عقدوا عدداً من الاجتماعات واللقاءات والمهرجانات التصالحية في أغلب مناطق الجنوب، كان آخرها لقاء يافع الذي عُقد في العاشر من يوليو.
ومنذ عدة شهور، انتقل أبناء الجنوب إلى المطالبة بحل إحدى نتائج الحرب المذكورة، وهي عودة المتقاعدين قسراً من مدنيين وعسكريين وأمنيين إلى وظائفهم وتعويضهم عن كل ما لحق بهم من ضرر مادي أو معنوي. وقد تمّ تشكيل جمعيات للمتقاعدين في كلِّ مناطق الجنوب، يجمعها مجلس تنسيق، وهو المجلس ذاته الذي دعا إلى القيام باعتصام سلمي حاشد، في ساحة العروض بخور مكسر، وفي السابع من يوليو.
 إنّ إقامة هذا الاعتصام في هذا التاريخ، قد حمل معه مدلولات سياسية عدة، أهمها التأكيد على حيوية شعب الجنوب وصلابته وعدالة قضيته. وفي السابع من يوليو، ومن وسط تلك الحشود المعتصمة هناك في ساحة العروض، تحوّل السابع من يوليو من يوم لنصر الشمال على الجنوب، إلى يومٍ لحق تقرير المصير للجنوب، بحسب قول أستاذنا الجليل الدكتور أبو بكر السقاف.
وبرغم الذعر الذي أصاب السلطة وأجهزتها، وتحويلها منطقة خور مكسر إلى ثكنة عسكرية، أو ما يشبه ساحة الحرب يومها، إلا أنّ فعالية الاعتصام قد حققت أهدافها بالكامل، من حيث الحضور وتوصيل نتائج الاعتصام إلى مختلف الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها قيادة السلطة في صنعاء، فكيف يمكن أن يكون عليه الحال إذا كانت حركة الناس حرة وميسرة في ذلك اليوم؟!
 وقد ختم الاعتصام فعاليته بقراءة “البيان الختامي لمجلس تنسيق جمعيات المتقاعدين العسكريين والأمنيين والمدنيين في الجنوبـ”، الذي أكَّد في مضمونه ومجمله، أنّ المطالب المطروحة والمعلنة، هي مطالب سياسية بالكامل، وهي كذلك لأنها ناتجة أساساً عن حدثٍ سياسي بامتياز، والمقصود بالحدث هو حرب صيف 1994، ولن يُحل إلا بقرار سياسي يعترف أولاً بخطأ جريمة الحرب التي شُنت ضد الجنوب، وبالتالي خطأ كلّ النتائج المترتبة على تلك الحرب الآثمة.
 وقد أعجبتني كثيراً الفقرة التي ختم أستاذي القدير عبد الباري طاهر مقالته الموسومة بـ”سلاماً صعدة والحرية لعدن”، المنشورة في العدد 111 من هذه الصحيفة المتميزة بحق، حيث نجده يقول: “تستطيع الدولة المستبدة أنْ تنتصر بالحرب وللحرب، ولكنها في مواجهة الاحتجاج المدني السلمي والمسالم تجد نفسها تقاتل في غير ميادين القتال، ويكون سلاحها الفتّاك ولغتها “المعمدة بالدم” والمحشوة بالجماجم والأشلاء عاجزة عن حمايتها والدفاع عن فسادها واستبدادها”. وهذا هو منطق التاريخ وخبرة الشعوب التي نهضت في أكثر من مكان.
 ويجب أنْ يعلم الحاكم بأنّ “أفضل الأخطاء هي دائماً أقصرها” كما يقول موليير، وأنّ المرء يخسر لفرط ما يود أنْ يربح، وحتى لا يصل الحاكم إلى النهاية المذكورة آنفاً، التي سطّرها لنا أستاذنا عبد الباري طاهر، لذلك كله فإنني أضع المسائل الآتية:
1 – الإقرار والاعتراف بخطأ شكل ومضمون توحيد الكيانين السياسيين (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية)، وخاصة الطريقة التي تحققت بها، أي الوحدة الاندماجية. ذلك لأنّ الواقع أثبت خطأها، وأنّ الإصرار على الاستمرار بشعار السيف (الوحدة أو الموت) لن ينتج عنه سوى ضياع كل شيء.
2 – الإقرار والاعتراف بخطأ شن الحرب على الجنوب في صيف 1994، لسبب أنّ شعب الجنوب رفض واقع ما بعد مايو 1990، ذلك أنّ الوحدة هي فعل وعقد واعٍ وإرادي بين طرفين أو أكثر، وليست زواجاً كاثوليكيا أو قدراً مسلّطاً على الرقاب. ولأنها فعل وعقد إرادي، فلا ضير من فسخ هذا العقد عندما يفقد معناه وأهميته لأي طرف في هذا العقد.
3 – ينبغي الاعتراف بأنّ ما هو معتمل في الجنوب، لم يعد مقصوراً على المطالب الحقوقية، كما يسميّها البعض، كما أنّ شعب الجنوب ليس أقلية، كما أطلق عليه الدكتور عبد الله الفقيه في أحد مقالاته الأسبوعية في صحيفة “الوسط”، بل يجب الاعتراف بأنّ في الجنوب، يوجد شعب امتلك كيانه السياسي الخاص به على مدى مئات السنين، وأنّ لشعب الجنوب هويته وثقافته ونفسيته الخاصة به. وأنّ الحركة المعتملة اليوم في الجنوب، هي في شكلها ومضمونها فعل سياسي، ويجب النظر إليها ومن ثمّ معالجتها من هذه الزاوية فقط، وغير ذلك فهو ضياع للوقت والموارد.
 وفي الختام فإنني أدعو جميع القيادات الجنوبية المتواجدة في الخارج، وبدون استثناء للعودة إلى أمنا (عدن) وفقط إلى عدن، لكي يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية للمساهمة في النضال من أجل جنوبنا الحبيب.