نبيل عبد الحفيظ * – يدخل في تفاصيل ” الحكومة اليمنية وإجراءاتها للحكم والادارة الرشيدة ” (1-2)

نبيل عبد الحفيظ * – يدخل في تفاصيل ” الحكومة اليمنية وإجراءاتها للحكم والادارة الرشيدة ” (1-2)

في أوائل فبراير 2006م أصدرت الحكومة اليمنية قراراً بالموافقة على ما أسمي بمصفوفة الاجراءات المطلوبة في موضوع الحكم الجيد والإدارة الرشيدة. وهذه المصفوفة التي قدمتها الحكومة على أنها برنامج عمل طموح جداً ناتج من استخلاص مدروس بعناية لكل الإشكاليات المسببة لحالة الفساد المالي والإداري المستفحل في مفاصل الحكومة وأجهزتها، هذا البرنامج تقر الحكومة بأنه يأتي استجابة لضغوط الدول والجهات المانحة وعلى رأسها البنك الدولي والتزاماً بمصادقتها على اتفاقيات وعهود دولية لمكافحة الفساد… فمن المعروف أن اليمن تأتي في ذيل القائمة الدولية للتنمية البشرية (جاءت اليمن في المرتبة 151 من أصل 171 دولة شملها تقرير التنمية البشرية لعام 2005 المعد من قبل UNDP) ومع هذا الموقع المتأخر في التنمية البشرية فبلادنا في موقع متأخر أيضاً في التقارير الدولية لمستوى الفساد وضعف الشفافية (حصلت اليمن في التقرير الدولي للشفافية ومكافحة الفساد على الموقع 103 على المستوى العالمي، 14 على المستوى العربي). هذا الواقع المزري يلقي بظلاله على الحياة العامة لينعكس في صور قاتمة من الفقر والبطالة وضعف الخدمات رغم أن مردود ما يستخرج من النفط لوحده يغطي ميزانية الدولة، بحسب تقديرات لمختصين اقتصاديين. ومع كل ذلك الفساد الذي أضحى الشيء الوحيد المنظم فإننا نحاول أن نتفاعل مع أي طرح تقدمه الحكومة للإصلاحات أو المعالجات. ولكن بسمة التفاؤل تتلاشى حين نجد أن البرامج التفصيلية المعدة ضمن عناوين كبيرة للإصلاح، من الهزالة بمكان بحيث أنها لا تمس أصل الفساد وإنما فروعاً ضعيفة منه ويأتي العمل التنفيذي كالعادة ليقضي على المحتوى من أساسه هذا إذا لم ترع أوجهاً جديدة من الفساد.. فمنذ أكثر من عقد ونصف هي عمر دولة الوحدة اليمنية المعلنة في مايو 1990م، والحديث عن دولة النظام والقانون دولة العدالة والديمقراطية هو حديث موصول ومكرر وتؤكد العمل من أجله كل خطط الدولة السنوية والخمسية وغيرها، ومحاربة الفساد والعمل وفق الإدارة الرشيدة جزء أصيل وقاسم مشترك لكل الخطط والبرامج والخطابات الحكومية.
 
ولعل أبرز ما جاء في هذا الشأن “البرنامج الحكومي للإصلاح المالي والإداري” والذي تعمل الحكومة وفقه منذ أكثر من عشر سنوات ومع ذلك لم تحظ الحكومة بأي تقييم إيجابي في السنوات الماضية من المنظمات الدولية المتابعة، والواقع الاقتصادي والمعيشي الذي يزداد سوءاً عاماً بعد عام والعملة الوطنية التي تواصل انهيارها… ما هي إلا أدلة لا تحتاج إلى تقارير. ومع ذلك كله نرجع فنقول عوداً على بدء: لماذا تقدم مصفوفة الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة في إطار ترسيخ الحكم الجيد والإدارة الرشيدة والمعلن عنها لمحاور وعناوين رئيسة محالة إلى جهات اختصاص لإعداد برامج تفصيلية لها في مدة أقصاها نهاية يونيو 2006م القادم؟ وبعيداً عن مدى جدية الحكومة من عدمها في القناعة والتنفيذ الملتزم للإجراءات التي أقرتها في هذه المصفوفة، والذي لا نريد أن نتحدث عنه إلا في حينه التزاماً بالتقييم المعتمد على معطيات الواقع، وإلى أن يحين ذلك دعونا ننظر إلى محاور وإجراءات المصفوفة المعالجة للإختلالات والمبنية على مبادئ الإدارة والحكم الرشيد المتعارف عليها دولياً.
لقد احتوت المصفوفة على أربعة محاور رئيسة ولم تزد مواضيع كل محور عن ثلاثة مواضيع كحد أعلى وموضوع واحد كحد أدنى.
ونظراً لأني أردت من طرح هذا الموضوع لفت أنظار المهتمين والمتخصصين كأفراد ومنظمات لإثراء محتوى هذا البرنامج الهام بالتحليل والمراجعة، سأحاول هنا أن أقدم قراءة سريعة لمحاور المصفوفة ومواضيعها بشكل عام محاولاً الاقتضاب ما أمكن.
جاءت محاور ومواضيع المصفوفة مرتبة على النحو الآتي:-
 
أولاً: ترسيخ سيادة القانون:
 
واشتمل هذا المحور على:
أ) تعزيز دور القضاء
ب) رفع كفاءة وفعالية المحاكم
ج) تعزيز حماية القانون
ومع قناعتنا بأهمية عنوان هذا المحور كأساس لأي معالجات بناءة إلا أن الملاحظ ثقل عنوان المحور وجزئية المواضيع في إطاره، والأدهى المحتوى الإجرائي لكل موضوع فقد جاء عبارة عن عناوين عامة مطاطة مستنسخة من برنامج الإصلاح المالي والإداري، والخطتين الخمسيتين الأولى والثانية واللتين لم تترجما في معظمهما على أرض الواقع أو جاءت ترجمتهما على عكس المطلوب.. فمثلاً شمل المحتوى الإجرائي لموضوع تعزيز دور القضاء على تعديل قانون السلطة القضائية بما يكفل:
1 – ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات وترجمة استقلال القضاء مالياً وإدارياً وقضائياً.
2 – استقلالية المجلس الأعلى للقضاء عن السلطة التنفيذية.
3 – استقلال القاضي عن السلطة التنفيذية في نواحي الحقوق المالية والإدارية.
4 – إعداد معايير سليمة للحركة القضائية.
5 – دمج هيئتي التفتيش القضائي.
6 – إنشاء قضاء إداري.
ومن الوهلة الأولى نجد أن النقطتين الثانية والثالثة قد تضمنتهما النقطة الأولى من الأساس، والنقاط الباقية هي نقاط تفصيلية، والأهم منها في اعتقادي يمكن أن يكون على النحو الآتي:
1 – تحديد معايير وضوابط وشفافية اختيار أعضاء الهيئات القضائية العليا بما يضمن الاستقلالية والنزاهة وعكس ذلك على باقي المستويات القضائية.
2 – تعديل المنظومة القضائية بالكامل بما يضمن المواءمة مع المواثيق والعهود الدولية المصادق عليها
 من قبل حكومات بلادنا.
3 – إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين التي لم تصدر لوائحها حتى الآن.
4 – إلغاء السجون الخاصة مثل سجون المشايخ وسجون بعض الهيئات الحكومية مثل البلديات وغيرها.
5 – إلغاء المحاكم الاستثنائية مثل المحكمة الجزائية المتخصصة.
6 – إطلاق السجناء السياسيين المعتقلين خارج إطار القانون والمسجونين بدون محاكمات.
7 – إيجاد شرطة قضائية ليست تابعة لوزارة الداخلية أو أي أجهزة تنفيذية والتابعة للسلطة القضائية المستقلة مالياً وإدارياً.
ما سبق هو جزء مما يجب أن يذكر لتعزيز دور القضاء بشكل فعلي وجاد يجسد الاستقلالية المطلوبة للقضاء بعيداً عن إجراءات شكلية غير مجدية.
وما يثير العجب أيضاً في هذا المحور الموضوع الثالث حول تعزيز حماية حقوق الملكية، فقد توقعت في هذا الموضوع أن يشمل:
1 – حلولاً لظاهرة نهب أراضي وممتلكات مواطنين من قبل شخصيات نافذة بما يضمن إرجاع حقوق من استضعفوا وتعويضهم وإنصافهم.
2 – ضمان حقوق الملكية الفكرية
3 – ضمان حماية المستثمرين وصون حقوقهم بعيداً عن تعسفات المستقوين بالسلطة.
 ورغم أن هذه المواضيع تطرأ على البال بمجرد قراءة العنوان المختار للموضوع إلا أن المحتوى الذي اكتفت به الحكومة هو “تطوير المؤسسات المتعلقة بالأراضي ودمج هيئاتها في هيئة واحدة” وهو ما يعني في حال العمل الجاد تعزيز حماية حقوق الملكية لأراضي الدولة فقط وكأن الإدارة الرشيدة هي حماية أراضي الدولة وعلى المواطن أن يحمي حقوقه وممتلكاته، مع العلم أن أغلب القضايا في المحاكم هي قضايا النزاعات على حقوق الملكية وقرابة نصف الجرائم نتيجة لعدم الإنصاف وللتطويل المتعمد لإجراءات التقاضي وفساد بعض القضاة.
ويأتي المحوران الثاني والثالث في مصفوفة الإجراءات الحكومية ليتناولا “مكافحة الفساد، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع الكفاءة للجهاز الإداري للدولة” وهما موضوعان متلازمان ومترابطان في اعتقادي فكل منهما يصب في الآخر والمهم هنا أن المصفوفة تواصل منهجية العناوين الواسعة والمحتويات الضئيلة.. ففي مجال مكافحة الفساد بدأت المصفوفة بالإصلاحات المؤسسية والتشريعية وفي هذا الجانب الهام تقدم لنا المصفوفة مشاريع لثلاثة قوانين ودليل للمشتريات والمناقصات على أنها كل ما نحتاجه لتحقيق الإصلاحات المؤسسية والتشريعية المكافحة للفساد. ومشاريع القوانين المطلوبة تلك يمكن أن نتطرق لها على النحو التالي:
1 – مشروع قانون لمكافحة الفساد. وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، والقانون المذكور بدأ الحديث عنه من قبل السلطة منذ أكثر من عام ونصف تقريباً.. والقانون قد يكون هاماً ولكن الأهم كما يبدو لي الإرادة السياسية التي لو توفرت فإنه يمكن للسلطة إجتثاث الفساد و ليس مكافحته فقط و المثال على ذلك واضح ومعروف وليس بعيداً في تاريخ السلطة السياسية اليمنية و المتمثل بتجربة التصحيح المالي والإداري والتي أقامها الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي (1974-1977 م) وما حققته هذه التجربة الرائدة في القضاء على الفساد وتصحيح الوضع المالي والإداري للدولة مشهود له بالنجاح والذي تحقق في عهده الميزانية الوحيدة في تاريخ اليمن الحديث بالفائض وليس بالعجز. وفيما يخص الهيئة المختصة بمكافحة الفساد فلم تقدم لنا المصفوفة رؤيتها لمهام الهيئة و لا من يختار أعضاءها و لا كيفية ضمان إستقلاليتها و الإجماع عليها. أما أنها ستكون مستقلة على غرار اللجنة العليا للإنتخابات فنعود إلى نفس حالة الجدل حولها.
 2 – أما مشروع القانون الثاني والخاص بإعادة هيكلة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وتوسيع اختصاصاته وتحديث آلياته بما يكفل استقلاليته عن السلطة التنفيذية، فقبل الحديث عن مشروع هذا القانون يجب أن نعرف أن المشروع الثالث في منظومة هذه القوانين المطلوبة هو إنشاء مجلس أعلى للمحاسبة والمراجعة وهو المجلس الذي لا تحدد المصفوفة ماهيته أو دوره في ظل وجود جهاز للرقابة والمحاسبة وممن سيتشكل هذا المجلس واختصاصاته الأساسية على الأقل. ونعود للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والتابع لرئاسة الجمهورية حالياً والذي تحدثت عنه معظم خطط الحكومة وبرامجها في الفترة الماضية بدءا بالحديث عن توسيع اختصاصاته وتفعيل دوره وصولاً إلى تحديث آلياته وهو ما لم يلمس له أثر سوى إقامة مبنى متميز له، أما غير ذلك فكل ما يعلم أن الجهاز يقدم تقارير إلى الرئاسة عن قضايا فساد في مرافق إدارية مختلفة في الدولة ولكن لم يشاهد مسؤول واحد من كبار مسؤولي الدولة يحاسب على أي قضية فساد مالي أو إداري والفاسد من هؤلاء عادةً يعفى من منصبه ليولى منصباً آخر لايقل أهمية عن سابقه. وفيما يخص ما تناولته المصفوفة عن استقلالية الجهاز فإنها لم تحدد هل سيتبع الجهاز السلطة التشريعية أم ماذا، علماً بأن أحزاب المعارضة قد طالبت غير مرة بضرورة أن يتبع هذا الجهاز للسلطة التشريعية المنتخبة كما طالبت أيضاً بأن تكون أعمال هذا الجهاز وتقاريره من الشفافية بمكان بحيث تكون في متناول الجميع وتعرض للمهتمين بشكل دائم مع بيان سلامة إجراءاتها ومتابعاتها وصولاً بتلك القضايا إلى الجهازين التشريعي ثم القضائي.
3 – ونعود لنتساءل مرة أخرى: ما هو وضع المجلس الأعلى للمراجعة والمحاسبة المزعوم إقامته؟ هل سيكون بديلاً لدى السلطة التنفيذية عن الجهاز المركزي للرقابة و المحاسبة كما هو المعتاد للتغيير في مفهوم السلطة وعلى طريقة المثل الشعبي اليمني “ديمة وخلفنا بابها”؟
4 – أما آخر الإصلاحات المؤسسية والتشريعية التي رأتها المصفوفة فهي تقديم مشاريع أدلة للمشتريات والوثائق النمطية للمناقصات ولا ندري هل المشكلة في الأدلة أم في اللجان الحكومية المختصة بالمناقصات بدءاً من لجان الوزارات والهيئات وانتهاءً باللجنة العليا للمناقصات فالمعروف أن الفساد المنتشر في هذه اللجان وفي أساليب عملها من ممارسات بعيدة عن النزاهة والمسؤولية، وطغيان الرشوة والمحسوبية والذي ينعكس في كثير من المشاريع السيئة التنفيذ والمختلة المواصفات والواقع يحمل الكثير من النماذج وكل ذلك في ظل غياب المحاسبة والرقابة والمتابعة الجادة والفعالة.
وهكذا لا نجد في الإصلاحات السابقة أي حديث عن مكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية الهامة والتي تمثل بؤر الفساد ومنها المؤسسات المالية ثم المؤسسات التعليمية والصحية واللاتي يمثلن أكثر من ثلثي الهيكل الوظيفي للدولة ثم المؤسسات الأمنية والعسكرية(الداخلية، الدفاع، الأجهزة الأمنية) وهي مؤسسات لا تزال تعمل في أطر من السرية فلا يعلم في أجزاء عديدة منها ميزانياتها واعداد منتسبيها وأساليب أعمالها ولا كيفية محاسبتها بل ويتم تجاهل الكثير من انتهاكاتها، والمعروف أن معظم مشاكل استخدام النفوذ والسلطة والقيام بأعمال نهب وتسلط على ممتلكات عامة وخاصة وانتهاكات إنسانية مختلفة تتم في العادة من قبل بعض القيادات في هذه المصالح. ومن هنا سنجد أن الإصلاح المؤسسي بحاجة للحديث عن كافة المؤسسات الحكومية وليس مؤسسة واحدة فقط والإصلاح ليس مشاريع لقوانين بقدر ما هو سياسات تنفيذية جادة، والإصلاح من الأعلى للأسفل هو الأسلوب الأمثل لتقديم النموذج الأمثل، والإصلاح عملية جذرية وليست حلولاً جزئية.
 
الشفافية:
وهي الفقرة الثانية في محور مكافحة الفساد وقد رأت المصفوفة تمثل الشفافية من خلال:
 -إصدار أدلة إرشادية للخدمات الحكومية والرسوم المتعلقة بها ونشرها بالوسائل المختلفة.
– اتخاذ إجراءات كفيلة بتخفيض المدة الزمنية للتخليص الجمركي (من ثمانية إلى أربعة أيام).
– متابعة إقرار البرلمان لقانون الذمة المالية.
– العمل على انضمام اليمن إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.
وإذا نظرنا إلى تعريف الشفافية -وهي ركن أساسي في الحكم الرشيد- على أنها توفر المعلومات في كل المجالات وفي أي وقت أمام الجميع للإطلاع وهي شرط مهم لتحقيق ركن آخر من أركان الحكم الرشيد ألا وهو المشاركة التي ينشأ عليها أي نظام ديمقراطي ليحقق المشاركة الشعبية عبر كل القنوات من برلمانات أو مجالس محلية أو أحزاب سياسية أو منظمات جماهيرية أو صحافة أو غيرها.. وكل هؤلاء بالتأكيد محتاجون إلى معلومات دقيقة وبيانات صحيحة ومتوفرة في متناول الجميع بيسر وتبسيط وذلك للوصول إلى مشاركة إيجابية تساعد في تصويب وتصحيح السياسات المختلفة التي تؤديها السلطة.. وهذه هي الشفافية التي نحتاجها بالتأكيد، الشفافية بمفهومها الواسع ونطاقها الذي يشمل كل المجالات وهو ما لا يتفق مع نظام العينات والنماذج الذي تتبعه المصفوفة الحكومية.. فالأدلة الإرشادية المذكورة هي ضرورة يفترض تقديمها بدون اعتبارها شفافية فما هي إلا جزء من القصور والضعف في تقديم الخدمات الذي تعيشه الحكومة.
أما فيما يخص النقطة الثانية التي تقر بمدى البيروقراطية في المعاملات فإني أستغرب أن تقدمها المصفوفة وكأنها إنجاز أن تخفض المدة الزمنية من 8 إلى 4 أيام في الوقت الذي يتم فيه إنجاز مثل هذه المهام عبر الحاسوب و الإنترنت وفي دول مجاورة وهذه النقطة بالذات توضح لنا طريقة فهم الحكومة للشفافية.
فيما يخص قانون الذمة المالية فالسؤال الذي يطرح نفسه في حال إقرار هذا القانون هو: هل لدى السلطتين التشريعية والقضائية المقدرة حقاً والشفافية والمصداقية لمساءلة جميع المسؤولين: “من أين لك هذا؟” أم أن القانون يجُب ما قبل؟! وهل سيكون الجميع تحت طائلة القانون بدون تمييز بدءاً برأس السلطة؟ وهل سنرى حقاً كبار رجال السلطة يحاكمون في قضايا فساد؟ أسئلة ستظل معلقة إلى أن نراها واقعاً ملموساً. فما تعودناه هو تغيير موقع المسؤول الفاسد من مسؤولية مهمة إلى أخرى لاتقل أهمية، على مبدأ إعطاء الفرصة ومنطق: ارحموا عزيز قوم ذل.
وتضيف المصفوفة الانضمام إلى مبادرة الشفافية في الصناعات الاستراتيجية لإكتمال الشفافية, و لعمري أليس الأهم الإنضمام إلى الشفافية في الإجراءات والأعمال الأمنية وما يحدث من انتهاكات تحت مظلة مكافحة الإرهاب؟! أليست الشفافية مهمةً في السياسات المالية والصرفيات داخل الميزانية الحكومية وخارجها؟! أليست الشفافية مهمة في اختيار المسؤولين مدنيين وعسكريين وفق معايير صحيحة للاختيار؟! أليس مهماً أن نفهم ونطبق الشفافية بشكلها الصحيح؟!
 
تقوية الخدمة المدنية:
وفي إطار المحور الثاني للمصفوفة المتمثل بمكافحة الفساد فإن المجال الثالث لهذا المحور هو ” تقوية الخدمة المدنية من خلال محاربة بيع الوظيفة العامة وإنشاء معايير واضحة عالية للوظيفة العامة و استمرار تحديث الخدمة المدنية وفق إستراتيجيتها”.
وهنا تقر المصفوفة الحكومية بحالة من حالات الفساد المنتشر و المستشري بين جنباتها و المتمثل هنا بوزارة الخدمة المدنية التي يتم تناول جوانب فسادها و إشكاليتها بشكل واسع شعبياَ وطالبت أحزاب المعارضة غير مرة بإلغاء هذه الوزارة و ضمنت ذلك في برنامجها للإصلاح السياسي والوطني و ضرورة تشكيل هيئة وطنية للخدمة لضمان الحيادية و الاستقلالية لهذا الجهاز، وهو ما يتفق معه كثير من السياسيين و الاقتصاديين و المثقفين ومع ذلك ترى الحكومة أن الحل في تقوية الخدمة المدنية التي تحوي دواليبها ملفات آلاف الشباب المتعلم و المتكوم و المتراكم كبطالة بعض منهم من قارب العقد على تقديم ملفه في الخدمة المدنية ولم يجد المال و لا الوساطة التي تؤهله ليعبر هذا المضيق وهو ما يجرنا إلى جانب آخر من المشكلة و هو حالة الضياع الذي تعانيه الحكومة جراء غياب التخطيط و العمل لفتح المجالات التي تستوعب المخرجات التعليمية بل و غياب التنسيق بين الوزارات المختلفة التي تبدو في عملها و كأنها جزر منفصلة ليس بينها رابط و لا خطط مشتركة. لهذا نقول إن الأجدى للحكومة وضع حلول جذرية لاستيعاب البطالة المتزايدة بدلاً من تكريس البيروقراطية التي لم تقدم أي تحسن إيجابي طيلة عقد مضى.
———————————-
* أمين عام المنتدى الاجتماعي الديمقراطي
** مشروع احزاب اللقاء المشترك للاصلاح السياسي والوطني (يناير 2006م).