مستشفى ذي السفالْ.. خرابٌ في انتظار عراقٍ لم يعدْ هناكْ! – يحيى هائل سلام

مستشفى ذي السفالْ.. خرابٌ في انتظار عراقٍ لم يعدْ هناكْ! – يحيى هائل سلام

مفتتحٌ.. وجغرافيا
“مستشفى ذي السفالْ، من المستشفيات العريقة، ويقع في مركز مديرية ذي السفال. بُني عام 1980، وفتح أبوابه، في عام 1984”.
مفتتحٌ خائنٌ، بقدر ما هو تعريف رسمي يلائم الفضائحية ويتماهى بالفلتانْ؛ إذْ الوحدة المباركة، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. لم تكن قد تجاوزت يقظة الحارس الليلي، لتبني مستشفى في ذي السفالْ. بسخاءٍ وإتقان، الجمهورية العراقية هي التي شيدته، لا طبل الوحدة ولا صفيح الثورة، لكنها بضاعة المرحلة، إحدى مستلزمات الفوز بالرضى!!
المنجز العراقي، وبعد 23 عاماً، لم يعد هو هو؛ ظهرت عليه آثار السنين ومحصلات الفوضى واللامبالاة: أسطحٌ مهترئة، أرضياتٌ شرعتْ في الهبوط، مياهٌ متسربةٌ في مسامات الجدرانْ، شبكةُ صرفٍ صحيٍ موعودةٍ بين الحين والآخر بالفيضانْ. فوق كل ذلك، قبل ما يقارب عقداً من الزمان، قوات الأمن، وفي محيط المستشفى، تبادلت إطلاق النار مع مجموعةٍ من مهربي الأسلحة، السيارة المحملة بالسلاح انفجرتْ وخلفت آثاراً على مجموعة من المباني، بينها المستشفى، تشققاتٌ هائلةٌ في جدران المبنى. إلى اليوم لم تفعل الدولة شيئاً، لكأنها في انتظار عراقٍ لم يعد هناكْ!!

المبنى والمعنى
على مقعدٍ خشبيٍ، في أحد ممرات المستشفى، وبطريقة المصابين بداء المللْ، يجلس فني الأشعة. “مثلما تشوفْ، فارغْ بلا عملْ”، قال سالم. وسالم حاله هذا منذ ما يقارب نصف عام، على وجه التحديد منذ توقفت كشافة المستشفى عن العمل. السبب عطلٌ. كل محاولات إصلاحه من مهندس المعدات الطبية، بمكتب الصحة بمحافظة إب، باءتْ بالفشلْ، أو بالأصح، هذا ما زعمته إدارة المستشفى. لكنْ إسماعيل الشويطر، مدير مكتب الصحة بمحافظة إب، نفى علم المكتب بذلك، في اتصالٍ هاتفي لم ينس خلاله التأكيد على الدور الإيجابي للصحافة. وهو قالْ: “قبل يومين فقط، علمنا بعطل كشافة المستشفى، وعلى الفور، وجهنا بسرعة إصلاح الكشافة”!
نادية عُميقة، رئيسة قسم الأمومة والطفولة بالمستشفى، لم تأبه للزجر، وتقولات الامتناع عن الكلامْ، أصرت على البوحْ: “وضعية المستشفى متردية، وأحد الأسباب الرئيسية، هو غياب الكادر الطبي المستمر”. وتقول: “خدماتنا في القسم مجانية، لكن عدم وجود طبيبة، هو عائق حقيقي ومشكلة”. ثم تضيف: “نعمل بجهد مضاعف وإخلاص، مع ذلك لا نحصل على المكافآتْ”.
وفقاً لتقرير العام 2006، بند المكافآت استحوذَ على 669380 ريالاً. ربما نادية لا تعلم ذلك، لكنها بالتأكيد تعلم أشياءَ أخرى كثيرة: من بين أطباء ستة، هم كامل طاقم المستشفى الطبي، طبيبةٌ لا يسري عليها قانون الخدمة المدنية: الدوام في الاسبوع يومان فقط، مثلها طبيب آخر، أطباء ثلاثة آخرين، بين الحين والآخر، موظفو المستشفى يظطرون الى استدعاء ملامحهم من خزائن النسيان. وبحسب التقرير، المكافأة ذهبت إلى أولئك، ومعهم من يوصفون بالمتعاقدين، عددهم خمسة، بينهم تخصصٌ نادرٌ للغاية، المستشفى في حاجةٍ ماسةٍ إليهْ: متعاقد في وظيفة إداريْ!!!

للتردي.. فتاوى!
بالإضافة إلى ثلاث قابلاتٍ في المستشفى، يوجد بين المتعاقدين الخمسة قابلتان بالنسبة لمستشفى في محيطٍ سكاني يقاربُ عدده الرقم 160000. مثل ذلك التعاقد يكون مُبَرَرَاً. مبرِرٌ سرعان ما يتطايرُ في مهب البيانات الإحصائية: 2 هو إجمالي عدد الولادات التي تمت خلال عامٍ كاملٍ داخل المستشفى!
الرقم الفقير(2)، هو من غير شك، مؤشرُ وضعيةٍ مترديةٍ للغايةْ، وخدمات غائبة، ومثل ذلك الرقم لم يكنْ في حساب الفرنسيينْ في العام 1993، وإلا ما كانوا هيأوا غرفة خاصة بالولادة في المستشفى، وزودوها بكامل التجهيزات. لكن لا بأس، فلدى إدارة المستشفى ما يشبه الفتوى: “مش ضروري الولادة في المستشفى، المهم تحت إشراف قابلات حتى في البيوت”. أما مصدرها، فهو محمد الحشاش، وهو مدير الصحة الإنجابية بمكتب الصحة بالمحافظة!!

وبقايا فكاهة..
مدير إدارة الشؤون المالية بالمستشفى “يعملُ في المطعمْ”. هكذا بخط يده كتب في سجل الدوام الرسمي، مديرُ شؤون الموظفين المعلومة الهامة للغاية، فعقلية إدارة المطعم وحدها تقدم التفسير المنطقي للمفارقة في بيان المصروفات للعام 2006، في مقابل 30250 ريالاً، صرفت خلال شهر يوليو على المحاليل والمستلزمات الطبية، هناك 51200 ريال، صرفت خلال الفترة نفسها، على الضيافات وبدل السفر!

فراغٌ وحربْ!
في المستشفى لا مناوباتْ. الممراتُ ساحاتٌ مفتوحةٌ لسباقِ الدراجاتِ الهوائية، قسمُ الأسنانِ ميسرٌ لما هو عليهْ قلعٌ. ولا شيء أكثر الصيدلية، خاليةٌ من الدواءْ. غرفُ الرقودِ أسِرَّة وملاءاتٌ بلا مرضى. غرفةُ العمليات مملكةٌ للغبار واستئصالِ اللوزتينْ. غرفُ الأطباءِ في معظمها مهجورةٌ لا يسكنها إلا الأشباح. تيارُ كهرباء المستشفى دون القدرة على تشغيل المعدات الطبية. ووزارة الصحة، الدولة بحكوماتها المتعاقبة، عجزت عن إمداد المستشفى بتيار ثلاثة “فاز”، وفي الحوش محولٌ كهربائي على مستوى عال من المتانة والقدرة، لكنه اليوم فريسة سهلة للحشائش والغبار.
محمد القريضي، مدير إدارة المستشفى، سيوافق نادية الرأي، ويقولْ: “أيوه، أيوه، وضعية المستشفى متردية”. أما تقرير الإدارة فسيذهب أبعد من ذلك بكثير، ويقولْ: “هناك جهات مسؤولة تحارب المستشفى”!!

[email protected]