نافذة.. هذا هو «الشارع»: محكمة – منصور هائل

نافذة.. هذا هو «الشارع»: محكمة – منصور هائل

مساء الأحد تلقيت مكالمة تدعوني إلى العشاء على مائدة كافكا، وسارعت لتقليب رواية «المحاكمة» وغيرها في رفوف المكتبة والذاكرة. وانقطعت الكهرباء بصورة فاضحة لتلك الاصابع التي تلعب بمركز تحكم شبكتها، خاصة وأن فعل انقطاعها جاء منساباً في مجرى الاستجابة لأوامر الكوابيس التي اندفعت وانزرعت في أرجاء الغرفة وفي رأسي وأنفاسي وخضت معها عراكاً ضارياً أسفر عن اندحارها وإفاقتي من إغماء الوغى مع تباشير الصباح.
طفشت وجهي بالماء وتلمست ما تقوض وارتض وتعضى من مفاصلي وأوصالي، وأقدمت على حركة رياضية خفيفة، كانت كافية لاستعادة لياقة حشرة زاحفة يتوجب عليها الذهاب إلى مقر المحكمة الجزائية المتخصصة.
في الطريق كنت أرزح تحت ثقل غبائي وسربال بلاهتي وخجلي: لماذا لم أستعلم عن منطوق ترجمة اسم هذه المحكمة من الزميل والصديق العزيز نائف حسان الذي هاتفني -قبل كوابيس الأمس طبعاً- ولفتني أنه عندما ذكر اسم المحكمة قالها بنبرة استغراب واسترابة!
المهم، مضيت في سبيلي «واثق الخطوة…» وعندما وصلت إلى مقر تلك المحكمة الذي تشفر في ذاكرتي تحت اسم «سفينة نوح» علمت بأني أخطأت المحكمة.
وتراجعت من مقر تلك المحكمة -سفينة نوح- التي قصدتها قبل عامين وكانت زاخرة بغرائب الكائنات وعجائب المخلوقات ونوادر المحاكمات، حيث قيض لي أن أكون شاهداً على باقة مذهلة من المحاكمات لقتلة ومهربين ومزوري عملات وتجار خمور ومخدرات ومتلبسين بروائح خمور وغيرهم من المتهمين بالجرائم الجسيمة، وآخرهم، بل وفي ذيلهم الصحفيين.
وتذكرت أني يومها تعجبت من محاكمة الصحفيين بعد عتاولة الجنايات الجسيمة. ولكزني صديق: أسكت، أنت في اليمن!
عموماً، لقد أخطأت طريقي إلى المحكمة، واستعلمت عن المحكمة التي كنت أقصدها قبل أمس وعلمت أنها تقع في الحي المجاور، وهرولت نحو الوجهة المعلومة. وأعتقد أن ثمة ابتسامة تقدير طفحت على وجهي عندما جال في خاطري أن الحكومة لا تخلو من الحكمة، بدلالة أنها غيرت مكان المحكمة واختصت الصحفيين بمحكمة مميزة لأصحاب الرأي.
وعندما وصلت إلى بوابة المحكمة الجزائية، كان الزميل نائف حسان رئيس تحرير صحيفة «الشارع» والزميل سامي غالب رئيس تحرير «النداء»» هو الآخر كان ماثلاً أمام النيابة يوم أمس في قضية أخرى. بضعة زملاء يخضعون للتفتيش.
ومن حسن حظي أن الزميل علي الضبيبي مُنع من الدخول كما حدث معي لأننا لا نحمل بطاقة الهوية، وكان علينا أن نقف في الناحية المقابلة للبوابة المدججة بالعسكر والأطقم المسلحة والمستنفرة.
لحظتها تعرفت على المحامي القدير، المداني، واستوضحت منه معنى اللافتة المقابلة، فقال إنها محكمة خاصة بقضايا أمن الدولة والارهاب.
في تلك الأثناء وصل الزميل العزيز نبيل سبيع متأخراً كعادته، وكان عليه أن ينتظر لحين خروج سجناء «القاعدة» وغيرهم من الارهابيين لكي يدخل ويخضع للاستجواب مع زميله نائف.
خرج السجناء بعربات كبيرة خاصة، وكانوا يهتفون: الله أكبر و… ودارت سينما الواقع برأسي وكانت أصواتهم هادرة. كان الشارع بلا شارع، وأجرد حتى من المارة وعيون الفضول.
وهجست أن الكثير من الزملاء لم يصلوا لأنهم على معرفة بترجمة اسم المحكمة!
كانت الأصوات الهادرة بليغة في إفصاحها عن شحن وتوتير وتفخيخ الاجواء، وأكثر بلاغة في توصيلها رسالة ترويع مقصودة لزملائنا في «الشارع» وللصحفيين جميعاً.
ولم أستوثق فحوى التهمة لأنها لن تقل عن زعزعة أمن البلاد والإرهاب والمساس بالاقداس.
وراعني أن يكون الصحفي في هذه البلاد في قفص الاتهام، على مر الايام وعلى الدوام، أكان في الشارع أم في مقر المحكمة الجزائية، أم كان في مستهل محاولة اختراع الشارع.
وروعني أكثر أن تكون «الشارع» بلا شارع، وأن ترتسم على هذا النحو الفاجع صورتنا وبإسناد فاعل منا ومن «ثقافة المحاكمة» السائدة والطاغية إلى الدرجة التي تجعل الصحفي أعزلاً من شارعه ومن الزملاء في «قبيلة الصحافة» ومن نفسه وقلمه و… دمه!
[email protected]