نعم أستطيع – إلهام الوجيه

نعم أستطيع – إلهام الوجيه

هكذا اقتحمت لأول مرة أحد المنتديات الحوارية..غرة ساذجة أرجو الحوار والتخاطب مع الآخرين..
لم أختر وقتها إسما مستعارا رغم ما يمنحه من امتيازات ونافذة أوسع للحرية… فلا أحد يعرف من أنت, وبناء على ذلك تستطيع حينها أن تقلب الموازين والقيم وأن تمسح الطاولة بما عليها من موروث قديم وجهل مركب لتقول جديدك دون خوف من أن تجد من يكفرك أو يبيح دمك أو أن تقصى من قائمة الوطنية أو زمرة المثقفين ومن ثم تصنيفك بناء على أفكارك..يحلو لنا دائما أن نصنف الآخرين كالمعلبات!
أتذكر الآن أول دخول لي وأتذكر جملة الكاتب صلاح الدكاك في عدد «النداء» السابق عندما وصف القلم بأنه أصبع سادس وتعجز كل فؤوس الدنيا على بتره!!كم أعجبتني تلك الجملة..ربما أنا أقحمها دون مبرر سوى أني أردت أن أستخدمها و بلساني كنوع من الإستعراض لذوقي وجملي الرنانة.
وأربط ما قاله بما قالته لي صديقة من عشاق المنتديات الحوارية والحوار. بأنها كالسمكة تفقد القدرة على التنفس وتموت تلقائيا بمجرد انعدام الحوار من حولها والتخاطب مع الآخرين.
كلا هما يجزمان, وكنت أشبههما الاثنين فنا أحب الحوار وأعتبر قلمي جزء مني..أخبئه, أظهره, أجعله يموت, أو أبعثه من جديد, تلك كانت قدراتي المحدودة التي لا يستطيع فعلها أحد غيري.
المهم حتى لا أضيع عن الفكرة التي أريد قولها.. دخلت المنتديات على استحياء متواضعة بالمعرفة التي لدي وبشغف لمعرفة أكبر وكانت تلك أكبر أخطائي وأهمها حيث أنك بهذا التواضع لايراك أحد ولا يؤخذ بكلامك, والواجب علي حينها أن أجعل أعرض بضاعتي على الجميع وأن أحاجج وأن أمتلك لذلك النفس الطويل لأقنع أنواع من الناس مختلفة بماذا أريد أو ماذا أقصد… وإلا فمصيري هو الإقصاء والنبذ من تلك التجمعات.
اكتفيت من المنتديات تقريبا والحقيقة أنني لم أشارك سوى بعدد محدود لا يتجاوز الثلاثة حتى لا أبالغ بحجم معاناتي تلك. وسألت صديقتي تلك أستفسر ها هل ما زالت مصرة على أن الحوار يزيد من ثقافتها بعدما لم أجد شيء من ذلك سوى زيادة قدرتي على المخاطبة والردود لا أكثر, و أن الفرق شاسع وكبير بين أن تتبادل المعرفة وبين أن تتحسن قدرتك على الخطاب والمجادلة..الأولى تحتاج العمر بأكمله ولن تصل إليها, وأما الثانية فباستطاعة دورة تدريبية واحدة جعلك أفضل خطباء ومحاوري زمانك.
سخرت صديقتي مني وقالت لي أن المشكلة هي أنني مصرة على أن الكتب هي المصدر الوحيد للعلم والمعرفة.
تجيد صديقتي المغالطة فهي تعلمني شغوفة بكل مصدر للمعرفة شرط أن لا يفرض علي ما لا أريد.. والكتاب خير جليس لا يفرض أبدا ما لديه.
أن الحوار الرائج هذه الأيام هو حوار الطرشان خاليا من الآذان المصغية والقلوب المتفتحة والعقول الظامئة إلى الجديد.
ما زلنا نتحاور مغرقين أنفسنا في زيف القناعات, متحكمة بنا الأيديولوجيات, وضيق أفقنا يصفق لنا ويؤكد أننا نحن الصواب والآخرين على الخطأ.
أي حوار بناء هو هذا القائم على استعراض العضلات والمعارف وانغماسنا في عداواتنا التافهة؟..وكأن الهدف من كل حوار نخوضه هو إثباتنا للآخرين بوجودنا لا أكثر!
لا أحد يناقش أحد. ولا أحد يسمع أحد..الاحترام بحق الجميع مفقود والتواضع في امتلاك المعرفة ضمير غائب.
لا أقول كذبا فأنا ابنة هذه التربة التي يحلو لها الصياح والنواح واستخدام الأيدي والسلاح إن لزم الأمر لكي تدافع عمّا تراه صائبا هي فقط.
أنا ابنة معكوس المقولة: “رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأيك خطأ لا يقبل الصواب ” حتى أننا نضيق بأنفسنا عندما لا نستطيع إقناع الآخرين بما لدينا لننزوي حانقين غاضبين ملقين بالاتهامات عليهم قبل أنفسنا محتضنين اعتقاداتنا وليس أفكارنا كجزء لا يتجزأ منا!
و هنا أكون قد وصلت إلى السبب الذي جعل الحياة شبة مستحيلة ومليئة بالحروب والاقتتال.
قد يحلو للبعض الضحك علي وخاصة أولئك المخضرمين المتباهين بخبرتهم وثقافتهم وكبر سنهم! وعليهم هم بالذات أطرح هذا التساؤلات:
لماذا استمرت حرب صعده كل الوقت؟
ولماذا العداء المقيت بين السلطة والمعارضة؟
لماذا الحكومة حريصة على تكميم الأفواه؟
لماذا أفكار القاعدة في ازدهار؟
ولماذا يختبئ المعتقدون بمذاهب معينة؟
لماذا لم تأخذ المرأة حقوقها؟
ولماذا الرجال لم يأخذوها كذلك؟
لماذا المثقفون في واد والناس في وادي؟
ولماذا الجميع يتحدث في نفس اللحظة وبنفس القوة وفي اتجاه واحد ليس أمامه شيء سوى الخواء؟
أليس كل ذلك لأننا لم نؤمن بعد بأن الأفكار وبكل قوتها ووزنها ما هي إلا ريشة تأخذها وتعيدها الرياح!
وأن الآخر ليس دائما عدو لنا وليس من العيب اقترابنا منه وسماعه وتفهمه وربما القيام بمحاولة يائسة وأخيرة لان نفكر كما فكر حتى نصل نحن وإياه إلى وسط الطريق بدلا من نهاياته؟
وبدلا من إحساسنا المتزايد بالمعارك وقلقنا واستعدادنا لها. أليس من الأفضل أن نحيا حالة متفردة من الاستمتاع الفائق للحد مع من يختلفون معنا مؤمنين بروعة ذلك الاختلاف وبكونه جوهر حقيقي لبقاء التنوع وبالتالي لبقاء الصراع بين الخير والشر الذي لا يمتلك سرهما وحقيقتهما والتمييز بينهما أحد من البشر!