نافذة.. هدهد إلى ثلاثة رؤساء – منصور هائل

نافذة.. هدهد إلى ثلاثة رؤساء – منصور هائل

كنت بصدد كتابة رسالة تحذيرية إلى الرئيس الإيطالي جيورجيو نابو ليتانو، بما هو إنسان أوروبي متحضر، ولقناعتي بأنه لن يُستفز كأي قبيلي إذا ما حشرت أنفي في خصوصياته، وتحدثت إليه عن حرمه المصون التي خرجت من قصر الرئاسة في وقت متقدم من ليل الخميس الماضي وصدمتها سيارة، وأصيبت بكسور في ساقها وذراعها… والخ.
ولما كنت قد تابعت حالتها بقلق، وعلمت بأن إصاباتها ليست خطيرة، فقد انشغل تفكيري بتلك الصدمة غير المبررة بالمرة. سيدة إيطاليا الأولى التي كانت تمشي وتحاول تجاوز نقطة لعبور المشاة حينها صدمتها سيارة كانت تقودها امرأة لاهية في الخرف (74 سنة) أطلقت الشرطة سراحها بعد استجواب لم يستغرق بضع دقائق! وحزَّ في نفسي أن الشرطة لم تكن في مستوى المسؤولية ولم تعتقل أي مشبوه، وكذلك كان حال الإعلام الإيطالي الذي كان دون مستوى استبطان «المؤامرة» الخطيرة التي تستهدف الأمة الإيطالية من خلال سيدتها الأولى.
ووحده الشيطان يعلم أن مشاعر المحبة الصادقة تجاه ايطاليا هي التي كادت تدفعني لكتابة رسالة المواساة المشفوعة بموعظة مخلص للرئيس الايطالي الذي لم يعجبني سماحه لزوجته بالخروج آخر الليل بلا موكب سيارات ولا حراسات ولا أطقم مدججة بالسلاح والنُّباح وكأنها «فالتو» لم تقرص في أذنها ولم تحذر بأنها ستجد الباب مغلقاً في وجهها إذا ما تمادت في الليل وإغواءاته.
وكدت أقول: ما هكذا تدار البلدان والنسوان يا مسيو جيورجيو!.. وعند وصولي إلى هذه النقطة الحساسة والفاصلة تعرضت لصدمة أعنف من تلك التي لم تهز شعرة في رأس الرئيس جيورجيو. وانحرفتْ بوصلة الذهن والكتابة، نحو رئيس وزراء اسبانيا، خوسيه لويس ثاباتيرو، فهو الأَوْلى برسالة مواساة وومضة موعظة، لأنه مكلوم بمصرع سبعة من مواطنيه وإصابة ستة.
وتخبطت في غابة الكتابة وأدمتني أشواك الحيرة، وعجزت عن كتابة حزني بوفاة ماريا تريزا وايزابيل ترانز وماريا اسبيلا وميجول وانطونيو وجابرييل وماجي.
وكلما حاولت التوجه بعبارة العزاء لثاباتيرو، تشوش ذهني بصورة أشلاء ابتسامة ماريا تريزا المضرجة على أعمدة معبد الشمس. وجال في خاطري أنها تختزن تلك الابتسامة بمكر طفولي مبرمج لتأجيل المسرات إلى حين العودة إلى الديار وجمع شمل العائلة والأصدقاء على مائدة وليمة مفروشة بفواكه العجب من بلاد مأرب ومعبد الشمس.
وتلعثم القلم وتفخخت الفكرة: ماذا أقول لخوسيه؟ هل ألومه على سماحه بخروج جوليا ومارتا واستيفاد وإيفا وماريا (جميعهن مصابات) من ديارهن إلى اليمن؟ هل أعاتبه على قرار الشركات السياحية الاسبانية بمنع رحلاتها من مدريد إلى صنعاء؟ هل أذهب إلى الهدف مباشرة وأقول له إن الاسبان كانوا وراء الانفجار وانهيار السياحة والاستثمار وصناعة النفط وكل ما ينطوي عليه الوعد بيمن بلا مرتبات! ولما أوشكت على الانتهاء من كتابة رسالة ثاباتيرو، لمعت في ذهني بارقة فرصة العمر وانحرفت باتجاه الكتابة لفخامة رئيس الجمهورية اليمنية عملاً بالمثل: «يا مفرق المرق أهل بيتك أحق».
سأكتب لرئيسنا بدون مقدمات، كافة القرائن التي ستؤدي إلى القبض على منفذي تفجير السيارة المفخخة بالمعبد لأفوز بجائزة ال75 ألف دولار التي عرضها. وأعتقد أن أمر الفوز بهذه الجائزة محسوم، ولسوف أفشي الرئيس بشرط موجز: هل سيضمن لي النجاة برأسي إذا ما دللت على المجرمين؟ هل سيمنحني تأشيرة خروج لألتحق ببرنامج حماية الشهود في أمريكا؟.. إني لا أطلب أكثر من سلامة الرأس في أمريكا؟.. إني لا أطلب أكثر من سلامة الرأس من «القاعدة» والأمن وجامعة الإيمان والرئاسة يا سيدي الرئيس؟!
[email protected]