الخيواني وزيف الارهاب – عبدالباري طاهر

الخيواني وزيف الارهاب – عبدالباري طاهر

قبل أكثر من أسبوع اعتقل الصحافي والناشط السياسي والحقوقي، الخيواني، بتهمة الارهاب.
الخيواني ضحية إرهاب الدولة بامتياز. فقبل عامين اعتقل الخيواني بتهم من نوع: تعريض أمن الدولة لخطر، التحريض على الفتنة. ذنب أو جريمة الخيواني الحقيقة أنه فضح الفساد والاستبداد في قمة الحكم وفي كل مفاصلة فقد تناول في مقالاته الناقدة هيمنة نافذي الدولة على الوظائف الكبيرة في الوزارات والمؤسسات، وقدم بالأسماء كشوفات بأسماء هؤلاء. كما انتقد سياسات التوريث للحكم،وتحويل المال العام والملكية العامة الى خاصة. والاستيلاء بالنفوذ والقوة على الشركات والمقاولات والتوكيلات التجارية.
إن جريرة الخيواني الحقيقية شجاته في تحدي غول الفساد الحاكم. وتهم مثل هذه الجريرة تطيح بالرؤوس وتهدر الدم وتيتم الأطفال.
سجنه لبضعة أشهر لم يزجره أو يردعه عن نقد الفساد والاستبداد، فعوقب بتزييف الصحيفة «الشورى» التي يرأسها والتي جعل منها ميدان معركة حقيقية ضد الفاسدين الحاكمين صناع الارهاب الحقيقي «والبيئة الصالحة» لتوالد الارهاب سواء باسم الاسلام السياسي سنياً او شيعياً أو تحت أي مسمى أو حتى بدون تسميات.
صحيح أن مؤسس «الشورى» الصحفي المبدع الفقيد عبدالله سعد محمد، هو من أرسى تقليد النقد الشجاع ضد الفساد والفاسدين، في «الشورى» بخاصة وفي الصحافة اليمنية بعامة وعلى نهجه سار الصحفي القدير نعمان قايد سيف المسعودي ومن بعدهم جاء عبد الكريم الخيواني ليجعل منها منبراً ديمقراطياً بحتاً، واداة حرة لفضح شبكات… وتزييف الاحزاب، واستنساخ الصحف. لم تكتف الدولة الضعيفة والباطشة في آن باستنساخ «الشورى» وإغلاق النسخة الأصلية وتزويق الزائفة بل عمدت الى تزييف الحزب ايضاً. وعندما قام الصحفي الخيواني بتحويل الصحيفة الى موقع عمدت الدولة القامعة الى اغلاق الموقع. ويبدو ان صبر قيادة اتحاد القوى الشعبية المسؤولة على الصحيفة قد ضاقت ذرعاً بالقمع المتواصل ضد الحزب والصحيفة معاً فتخلص بصورة غير طيبة من الخيواني وطاقم الصحيفة «موقع»!!.
طريقة إعتقال الخيواني الأخيرة بواسطة مجموعة من الأمن القومي قد اتخذ طابع وأسلوب «الإغتيال السياسي العامد». فقد هوجم منزله وقت قيلولته تحت ذريعة إصلاح الكهرباء ثم هجم السباع الضواري على ضحيتهم مروعين الضحية واسرته. احدى بناته الصغار أغُمي عليها من هول الصدمة! مما يصنع الجنود الكفر بأبيهم. ثم انقادوه بملابس النوم الى النيابة (الموقع) اجراءات النيابة لا تختلف كثيراً عن إجراءات الأمن فالأمن السياسي والقومي يتضلع في كل مسام الدولة القامعة بامتياز.
والقضاء غير «الكفوء وغير النزيه» يخضع للسلطة التنفيذية أكثر من حرصه على الإستقلالية والنزاهة. كانت التهمة الموجهة للخيواني حسب الاعلام الرسمي الانخراط في خلية ارهابية تتبع مجموعة الحوثي وهي خلية حسب الاعلام الرسمي (المشهود له بالكذب) مكلفة بالاغتيال لرجالات الدولة المدججين بالحراسة، وتسميم الآبار في المعسكرات، علماً بأن لا وجود للآبار في ظل الجفاف العام في اليمن. ومعروف ان المعسكرات معزولة عن السكن وهي في التباب والجبال المسيجة بالسلاح والحراسة المستمرة. وهناك سلوك وشبهات حول الخلية بالاساس.
واللافت أن تهمة الارهابية للخيواني منشورة في صحف رسمية قد جرى التراجع عنها الى تهمة تبني أفكار الحوثي واذا كانت الدولة تتصالح مع الحوثي ومحاربيه فكيف بها تحاكم المهتمين بأفكار الحوثي. إن كان للحوثي أفكار أصلاً.
تغرق الدولة البوليسية حتى رأسها في مواجهة عسكرية عينية في صعدة. وتتخذ سلسلة اجراءات جائرة بحق ابناء الجنوب «الشركاء في دولة الوحدة» فتحيل اعداداً كبيرة من الجيش والأمن والموظفين الى المعاش وتعاملهم بزراية واستعلاء في كل اجراءاتها وقراراتها الإدارية، كما تتصدى لمؤسسات المجتمع المدني فتقمع الأحزاب وتستنسخ الصحف وتصادر الحريات وتلفق التهم. لأصحاب الاقلام الشجاعة، وتضيق على الحريات الصحفية، وتجرجر الصحفيين للمحاكم والنيابات كمجرمي حرب، وتدأب على تجويع الصحفيين ومصادرة حرياتهم حماية للفساد وتسييداً للاستبداد.
انشغال الدولة بقمع الحريات، والحرب ضد أبناء صعدة، والانغماس في الفساد والأستبداد أيقض وحسن الارهاب الآتي من التيارات السلفية القاعدية «حليفة الأمس» غير البعيد. وهي التيارات المرفودة بالتعليم الطائفي، وبمواطنة غير متساوية، وبظلم اجتماعي يصل حد الغبن، وبفساد دولة مستفز وقاس، وبتحالفات مشبوهة، مما يعطي للمتطرفين في كل الاتجاهات المبررات للتمرد والخروج والارهاب.
حمداً لله إن الدولة وأجهزتها الأمنية والإعلامية البليدة لم تتهم الحوثيين بتفجير مارب ذلكم إن بصمات القاعدة جلية وواضحة في كل بقاع الأرض والعالم، فهي لا تختلف عما يحدث في مصر أو الجزائر أو المغرب أو تركيا وإندونونيسا ولندن وأسبانيا، فتهمه القاعدة قد حرمت دولتنا من ضم التهمة إلى خلية صنعاء المزعومة والمسجون على ذمتها الصحفي الخيواني المصاب بالقلب.
دولتنا – حماها الله- لم تكن قادرة على التصدي لوحش الارهاب المتفلت وللتمردات القبلية والمناطقية وحتى السلالية ما لم تتخل هي نفسها عن هذه الأسلحة السيئة والمقيتة.
انتقام شخص من شخص، مذموم في كل الملل والنحل وفي كل المراحل التي مر بها المجتمع البشري. اما انتقام الدولة من شخص فأمر يصعب وصفه. فانحدار الدولة الى أساليب الثأر والإنتقام يطال الدولة وأهل الحكم بأكثر مما يضر بالصحفي الخيواني.
وانشغال أهل الحكم بالتنصت على المكالمات وترويع الصحفيين والمجتمع المدني يفتح الباب واسعاً أمام «معارضة» من طينة الحكم ومنبعها ومنبتها.
تقف الدولة اليمنية أمام مفترق طرق فلم يعد ممكناً الحكم بمركزية شائهة «لا نتيجة لها الا المزيد من الفتكك والتمرد والعنف. كما ان الاسلام السياسي على خطورته لا يمكن قمعه والانتصار عليه بامتشاق السلاح. فالفكر لا يواجه إلا بالفكر. والأهم ردم المستنقع الآسن من الفساد والظلم والطغيان. واحتكار المال والسلطان والقوة. فالدولة لا تحمى وتسيج الا بالعدل كما قال الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز. إن محاكمة الخيواني بتهم يتسامح فيها مع المحارب «الحوثي» ويعاقب على تفكير مجرد تفكير- الخيواني- يضعف حجة ومنطق الدولة في التصدي للإرهاب. وتجعل منها المحاكمة الباطلة كل اجراءاتها القامعة دولة بوليسية من الألف الى الياء، إن جريمة مارب تضع الدولة والمعارضة والشعب كله امام تحد حقيقي. فمثل هذا الارهاب لا يواجه بالإرهاب وانما ببناء وحدة تحترم التنوع والتعدد. وتجعل من المعارضة السياسية وموسسات المجتمع المدني رديفاً أو مشاركا حقيقياً في بناء دولة النظام والقانون والديمقراطية والحرية والعدل، والقضاء على الإرهاب والتمرد والخروج.