ماء في كل مكان و.. لا قطرة للشرب!(*) – مروان الغفوري

ماء في كل مكان و.. لا قطرة للشرب!(*) – مروان الغفوري

تعرف السياسة باعتبارها ” إدارة شؤون المدن”، كما تشير لذلك مفردة politica ، التي تعني “المدينة”. وهي ، في الأساس ، الأصل اللاتيني لمفردة politics المرتبطة في اللغة المعاصرة بمعاني الشؤون والقضايا السياسية، وحتى علم السياسة political science. وبهذا التعريف، المُحال إلى الأصل اللغوي، فإن السياسة تقترب من فكرة الإدارة المحلّية. وبشكل مجمل ستتماهى السياسة في الإدارة، وستحمل الجزء الأكبر من معناها الإجمالي. والأمر كذلك في وعي المواطن العالمي الذي يستحضر السياسة، غالباً ، بحسبانها إدارة لشؤونه الخاصة، ومتعلقات معيشته، بعيداً عمَّا تفرزه وتتفاعل معه من شأن خارجي. ولعل هذا المعنى هو ما ينصرف إليه حديث: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي جاء آخر. وقول العرب: ساس أمره، بمعنى أداره، وسائس الخيل، راعيها وقائدها. ومن إدارة شؤون المجتمع – من الأسفل إلى الأعلى – توسّع السياسة ارتباطاتها وتفاعلاتها، وتحدّث نفسها باستمرار حتى تظهر في شكلها الإداري الأعلى: الدولة. الدولة، في بنيتها الداخلية، ليست أكثر من دوائر وظيفية بمجموعة من البنى المتداخلة والمتمايزة، مستهدفها النهائي هو الشأن العام الداخلي، في حين يأتي الاعتناء بالشأن الخارجي من زاوية ارتباطه الحاد بما هو داخلي، وتفاعل الشأنين معاً. وهكذا فإن وصف دوائر ، مجموعات ، الدولة بـ”الوظيفية” سيعود بنا مرّة أخرى إلى تعريف السياسة بالإدارة، بما تمثّله الإدارة من حضور في ذهن المتلقّي العام. ففي البلدان التي تعيش حالة عالية من الفوضى (الأناركي)، والفساد وغياب الشفافيّة؛ أو تعيش اضطرابات داخلية وحالة من انعدام السلام الداخلي ، فإن المجتمع بأكمله ينصرف إلى الخوض في الشؤون السياسية؛ بحسبان السياسة القائمة إدارة فاشلة تمس معيشته بعنف. وهو يهدف من خلال هذه الهبة الجماعية في اتجاه ما هو سياسي إلى إعادة وضع الأمور في أدراجها الصحيحة، عن طريق طموحات ديموقراطية، لا تؤدي غالباً إلا إلى تجذير الراهن بمزيد من الخداع والغش الديموقراطي، باعتبار أن الذين سيديرون العملية الانتخابية هم الإدارة الفاشلة ذاتها، والنخب الفاسدة ( السياسة المريضة ) التي يسعى المجتمع إلى إزاحتها بغية إحلال سيادة القانون مكان الفوضى. أتذكر أني كنتُ مشرفاً على علاج سيدة أسبانية، في اليمن. في الواقع كانتا سيدتين، أسبانية وفنزوليّة.وبعد هنيهة استماع مهذبة لحديثي الناقد لسياسات أزنار، وإعرابي عن احترامي الجم لثابتيرو وتشافيز، قالت إحداهما بعفوية: politics means unemployment.. بمعنى: السياسة عندنا تعني البطالة، ولا شيء آخر. أضافت، أنها لا تأبه لعناوين كبيرة تتعلق بالشأن الخارجي ،مثل الإرهاب، رغم بشاعة ما حدث في مدريد، ولا تهمها التبريرات التي يقدمها رئيس الوزراء حيال سياسته الخارجية تلك إلا فيما يخص تأثيراتها السالبة على فرصة المعيشة في الداخل، أي السياسة الحقيقية. أتصور أن هذا التعريف العفوي لمعنى السياسة هو ما يحضر في الذهن العام كخلاصة لرؤية وإدراك المجموع للسياسة. وهذا ما يدفعنا، حقيقة، إلى تفهّم غياب الوعي السياسي الحقيقي لدى المجتمعات في الدول عالية الأداء الديموقراطي، وتتمتع بشفافية إدارية فائقة. فهناك تحل مبادئ الاستهلاك وصناعة الفرصة المالية محل الأخلاقيات المرجعيّة والقيم الشمولية العليا، وطبيعي أن تنصرف محاكمة المجتمع لمجمل سياسة الدولة من منظور التأثير على فرصة المعيشة: الدخل والاستهلاك. وفي مجتمعات مثل ألمانيا وأمريكا، على طريق المثال، لا يعرف غالبية المجتمع ماذا تريد ميركل، ولا من أين جاءت كونداليزا رايس، ولا ما هو الفرق الحقيقي بين اليمين واليسار؟. فالإدارة – المدنية ، الناجحة، التي هي المعنى الأولي الخام للسياسة، أوصلت المجتمع إلى حالة من الرضى العام عن أداء أجهزة الدولة الوظيفية، وكفتهم مهمّة الخوض فيما اعتُبر ترفاً.. هذا الترف، الشؤون السياسية، هو ضرورة لدى المجتمعات التي تعيش الفوضى الإدارية، وغياب حضور الدولة الشفّاف والواعي، وينظر إليه دائماً بحسبانه مخلّصاً يستقطب الجماهير بلغة يسوعية: أنا هو الطريق. والترف نفسه، في وعي المجتمعات الديموقراطية الحديثة، هو الذي دفع ليبمان، في مطلع القرن المنصرم ، إلى تأسيس مبدأ الخداع الضروري معتمداً على حقيقة انصراف نسبة عالية من مكونات المجتمع الحديث عن الاهتمام بالشأن السياسي، الخارجي منه على وجه التحديد. هذا المبدأ السياسي مفاده أن الإسراف في التطبيقات الحرفية لمبادئ الديموقراطية قد يصيب المصلحة العليا للوطن ويضعها في مأزق. وهكذا فإن الخداع الضروري يضع في حسبانه هذه الفرضية، وبالنيابة فإن الإنتلجنسيا السياسية هي التي ستفكّر بدلاً عن المجتمع، وحتى دون الحاجة لتبرير ممارساتها وارتباطاتها الخارجيةً. وعند هذا المفصل من تفكيك المجتمع الديموقراطي سنكتشف أن الديموقراطية في دول العالم الأول، والأوليجاركية في دول العالم الثالث،  قلة ذات امتياز نفوذ وثروة ، متداخلتان تماماً. وبتعبير هندسي فإن ديموقراطية دول العالم الأول هي ذاتها ديكتاتورية العالم الثالث، لكنها فقط مقلوبة على رأسها. وهي رؤية جعلت مفكرا كبيرا مثل روجيه غارودي يصرخ بصوت عال: الديموقراطية أكذوبة كُبرى. ويحدد استحالة وجود ممارسة ديموقراطية حقيقية بكون العالم لا تتوزع فيه الثروة بالتساوي، وهو ما يجعل وقوف الغني والفقير عند ذات الدرجة من القوة أمام القانون مستحيلاً. وبغياب القيمة المطلقة التي يمكن أن يدور حولها المجتمع بصورة معياريّة، فإن الديموقراطية، بحسبانها مرجعيّة المعادلات السياسية الراهنة، تستحيل إلى لعبة يمارسها مجموعة من المحترفين، أو مشهد مسرحي طويل على خشبة لا يمثل الجمهور جدارها الرابع، كما كان يفترض هنريك إبسن.. هذا الغياب، برأي جارودي، أوجد مجتمعاً عالميّاً يعيش حالة ” حرب الكل ضد لكلـ” ، تماماً كما تنبّأ هوبزHobes.
في البنى الاجتماعية التي تعيش ما قبل الدولة الحقيقيّة، دولة الشرعية، الدولة التي يمثّل فيها المجتمع رقابة على أجهزتها وسياساتها، أو هي دولة دافعي الضرائب… يتّجه الجميع صوب الفعل والقول السياسي. فكأيّ ضغط خارجي – بيئي يواجهه نوع أو سلالة من الكائنات، تفعل الضغوط الإدارية، كالفساد وسوء الإدارة ومخلفاتهما من البطالة والفقر وانتشار الجريمة ، فعلَ هذه التحديات البيئية. هذه الضغوط أو الانتخابات البيئية natural selections عادة ما تدفع النوع ( البشر، هُنا) إلى البحث عن وسائل معاوقة ضد هذا الضاغط البيئي ( السياسي- الإداري ، هنا). ويأتي الاندفاع تجاه تبني الوسائل السياسية، كالأحزاب والتنظيمات والجمعيات، وممارسة كافة تشكيلات التعبير السياسي الرافض، من كتابة ناقدة ومظاهرات واعتصامات وحتى المشاركة في العملية الانتخابية، التي غالباً ما توصف في النهاية بأنها عبثية، وهو الوصف نفسه الذي سبق إطلاقه على كافة أجهزة الدولة، إن هذه التفاعلات تأتي كمحاولات حثيثة ينفذها النوع البشري للإفلات من الضغط البيئي الواقع عليه، أو تحويره وتدجينه ، كما فعل هذا الكائن مع ضغوط وتحدّيات أخرى عديدة في قصة نشوئه وارتقائه في التاريخ. والدولة الحديثة، بالمفهوم السياسي – الإداري، ليست بالضرورة هي دولة دافعي الضرائب، فهناك دول كثيرة لا يمثل فيها دافع الضريبة جهاز ضغط على السلطة السياسية العُليا باعتبارها دولة ريعية، أي دولة تعتمد في تسيير شؤونها المالية على الريع – الموارد الطبيعية، كالبترول والغاز والموقع الاستراتيجي، وغيره. وكثير من هذه الدول الريعية نجحت في تأسيس بنى إدارية عالية الكفاءة ، مما أبطل الحاجة إلى وجود حراك معارض ومعاوق لسياسة الدولة، باعتبار السياسة إدارة شؤون المدينة، وهو الملموس بنجاح، كما يحضر في الذهن الجماعي. يقودُنا هذا التصور إلى ملاحظة فشل تنظيمات إيديولوجية عديدة ، يسارية أو ليبرالية ، في هذه الدول الريعية في استقطاب عدد كبير من الأشياع والأعضاء حول خطابها الثوري أوالتنويري، بشكل عام. كون الدافع الأهم الذي يمكن أن يتحلّق حوله المجتمع ويشايعه ويعيد تشغيله ، أعني إدارة ورعاية الشأن الخاص، أصبح في حكم اللاغي، كما يمكن أن يمكن يكون وعيا لدى تشكيلات عديدة من البنى الاجتماعية التي لا تتحمّس لأي خطاب إيديولوجي. إن هذا سيعني، بصورة ما ، أن الدولة التي تحقق نجاحاً ملموساً في مقايسس الشفافية الإدارية ومكافحة الفساد وتحسين فرصة المعيشة، فإنها غالباً ما تخلق شعوراً جماعيا بترفيّة – وربما عبثية – الاتجاه صوب الفعل أو القول السياسي، لدى مكوّناتها الاجتماعية. وفي السياق ذاته، تبدو الفرصة مواتية كي تتفرّغ النخب الثقافية والإبداعية إلى تنمية إمكاناتها ومهاراتها، وهو ما يجعل الكثيرين يؤمنون بأن الدخول في الفعل السياسي طارئ على استعدادات وتطلّعات النوع البشري، الذي يميل بطبيعة تكوينه الغرائزي والجمالي والديني ( كونه سليل لظواهر دينية أسطورية راسخة في لاوعيه الجمعي، أطلق عليها كارل جوستاف يونج وصف الأنماط العليا) إلى الإبداع والخلق، أو اللذة والمتعة، كما افترض جيريمي بنتام. بينما يتحول الفعل السياسي إلى ظاهرة خفيفة، على عكس ما يحدث في الدول الفاشلة، حيث تعيش السياسة كحالة ضجيج لا يتوقّف.
وإذا ما سلّمنا- بصورة مؤقّتة – بهذه الفرضية ، التي أزعم أن لها شواهد كثيرة ، فسيتجلى أمامنا الموقف الديموقراطي في الدول ذات المعدلات العالية من الشفافية الإدارية والتي تتمتع بقدرة برلماناتها على تأدية الدورين، الرقابي والتشريعي، بنجاح… ستتجلى هُنا الأكذوبة الكبرى عن الديموقراطية وممكناتها المستحيلة، من جديد. فانصراف المجموع – الذي يفترض فيه أن يكون خلفية واعية لتفاصيل المشهد السياسي تقيه من الحيود والانحرف – عن السياسة إلى تفاصيل اليومي، الإبداعي والوظيفي الخاص، والمعيشي( اللذة والمتعة)، سيعني غياب الرقابة الجماهيرية وإيكال الأمر برمّته إلى مجموعة من الساسة على ضفتي الدولة: التشريعية والتنفيذية. بمعنى السماح بدخول الفريقين في عديد من العمليات القذرة كالمساومات وبيع المواقف وسن تشريعات غرضيّة تلتفّ على / وتصادر – في أغلب حالاتها – مواداً دستورية واضحة وصريحة، انتهاءً بأزمة الديموقراطية الحديثة: ارتباط الثروة بالسلطة، حتى في أعتى دول العالم ديموقراطية. لتتشكل الصورة النهائية للديموقراطية،ومعادلاتها النظرية، في العالمين الأوّل والأخير كسجع الملاح القديم ، في رائعة صموئيل كوليردج ، وهو يتيه في البحر: “ماء في كل مكان، ولكن لا قطرة للشربـ”.

* العنوان من قصيدة ” سجع الملاح القديم…. The Rhyme of the Ancient Mariner “ للإنجليزي صموئيل كوليردج.
[email protected]