وهن شخصي – ماجد المذحجي

وهن شخصي – ماجد المذحجي

الإحساس المتكرر بالحاجة مؤذي، فهو يفصح عن نصيبك السيء من الحياة، ويبدو بذل الجهد المضاعف الذي تقوم به، مجرد تعذيب للذات؛ كونه لا يرتب أي فوائض يمكن أن تستثمرها لتمارس سلوكاً مترفاً كل حين وآخر. سلوك لا يتعلق أبداً بالأساسيات التي عليك توفيرها بالضرورة لتعيش ضمن الحد الأدنى!
المفزع أن يصبح فقدان الموبايل -مثلاً- مبرراً كافياً لتصديع تماسكك أمام نفسك، كونه يصيبك بالاكتئاب، ويكشف مقدار ضعف مقدراتك على توفير واحد آخر، دون أن يرتب ذلك دين طويل يقتص راتبك بانتظام! الإحساس بالترف ليس شيئاً سيئاً، والتعالي عليه يفصح عن قدرة الواقع الرديء على تدمير الطموح الشخصي.
أشعر بالغضب لكوني كذلك: مهندم، لا يمتلك ما يكفي للمعيشة الكريمة سوى بصعوبة! هل يكفي هذا لتفهم إحساس الكثيرين بالنقمة في هذا البلد، وتبرير ارتفاع معدل الجريمة، والتعاطف مع المتسولين!؟ لاشيء مؤكد سوى إحساسك الشخصي بالتحطم أمام هكذا تفصيل باهت، ولكنه يبدو جوهرياً تماماً بالنسبة لك، مهما كان رأي الآخرين به. ربما الأمر متعلق برغبتك بالشكوى وبالتالي إفساح مجال أمام التكدر للخروج كي لا تختنق به المساحة الداخلية الضيقة بالأساس. التعاطف شأن مهم، وأن يبدي الأخرون رغبة بالاعتناء بأحزانك يخفف من وطئها عليك، وربما ينقذك منها. الخيواني يبدو حاضراً هنا، الإحساس الشخصي بالإنهاك باد عليه، خوض معركة مستمرة دون جدوى شيء يبعث على الحزن بالتأكيد، خصوصاً حين يرتب عليك دفع الضريبة أنت وعائلتك فقط، بينما يجني آخرون امتياز الدفاع عنك كبطل أمام الشاشات وفي الصحف، والتمتع بمكاسب نضال غير مكلف!
لا يحتاج الخيواني سوى لتعاطف صادق، إحساس بالمسؤولية تجاه الحزن الشخصي الفادح، الذي أصابه بأزمة قلبية خفيفة أخيراً في السجن، ولم يدفع ذلك من يقومون على حراسته سوى بأن يدَعوه يتنفس في السطح محروماً من الحق في الطبيب، حتى يتم توسل ذلك من وزير الداخلية نفسه! مؤلم ذلك، وزير داخلية مثقف وحائز على شهادة الدكتوراه في علم محترم كعلم الاجتماع، يستمتع بتحطيم فرد ضعيف، مستعيناً بنفوذه وكل السلطة والتراتبية التي تفصله عن سجاني الخيواني ليسحق حتى رغبتهم بالتعاطف معه! المعرفة تصون الإنسان من شهوة القوة حين التوفر عليها، تهذب علاقته بما يمتلك من قدرات، ولا أعتقد بأن علم الاجتماع يرتب تقوية لنوازع الإنسان نحو العدوان، لكن يبدو أن رتبة لواء، الأمنية، كانت ثقيلة الوطء تماماً على لقب علمي محترم مثل دكتور بحيث تشل فاعليتها هكذا!
لا نمتلك القدرة على المواساة، الضعف ينتظم ضمن “المعابـ” اجتماعياً، رغم أن كل ما يحيط بنا يؤدي إلى ذلك. نحن عرضة لقسوة تافهة دوماً، فعليك أن تنكسر باستمرار تجاه إحساسك بالقهر، أو شعورك بالضعف حين لا تجد ما تدفع به الاكتئاب عن نفسك، وضرورة أن تتنكر لكل ذلك بادعاء التماسك أمام الآخرين كي لا يبهت تقديرهم لك!
 فكرة أن تكون قوياً باستمرار متلفه لأعصاب المرء بشدة، تظل منهكاً ومشدوداً دوماً كي توفر الحد الأدنى الذي يكفل لك أن تكون محافظاً على استقلالك، وإثبات كونك غير متهافت، وبمستوى من حولك. الفرد في مجتمع كهذا ضحية حاجته، وعرضة لما يخلفه عجزه أمامها من دمار فيه. يصبح ذلك أفدح حال المسؤولية تجاه آخرين. إن تلبية احتياجهم، والحفاظ على كرامتهم، وحماية صورتك أمامهم، كمحل للامان، تصبح أسباباً لشعورك بالتهالك والألم أمام حاجات ورغبات شخصية صغيرة، لا تستطيع توفيرها لنفسك دون التفكير بمسؤولياتك، وهذا ما يجعلك عرضة دوماً، لإحساس شخصي بالوهن، ويبدو مبرراً لغضب أو اكتئاب مفاجئ لا تفهمه!
[email protected]