آه ياجاك بريل – فتحي أبو النصر

آه ياجاك بريل – فتحي أبو النصر

ترى كيف تصير أغنية ما جذرك التربيعي وما الذي يجعلها قبل ذلك بمثابة نواتك؟
*

إن الاكتمالية الشعرية واللحنية والأدائية لأغنية (لاتتركيني) ل(جاك بريل) هي المحصل الموضوعي لهذا الإحساس الذي لا يتناقص داخلي..ملحمة تفاصيل عشق حلمية كنت لن أتمثل مصهرا لكلياتها إلا وأنا بيني وبيني فيما كانت باستطاعتها أن تجعلني كذلك جيداً
ذات مساء بلا قمر باغتتني أغنية (لاتتركيني) ل(جاك بريل ) حتى قادتني لي وشردتني بين لواعجها لتجعلني أصافحني..كما لهب اخترقني صوت مغنيها على انه ذلك اللهب الذي يزهر وفيما لا افهم بالفرنسية (وكنت أعاني –بلذة- ترجمة لاتتركيني) فإن شروخات بحة (جاك) كانت تفهمني جيدا بل وترممني ففي الأغنية مكوث في ماهية العاطفة وهي مبللة برجاءات الإنسان إذ لايتيبس عنادا كما أنها توازي الإنسان بأبعاده الموثقة مكللة إياه بلحظات العراء المحض.
تبدو نظرات (جاك بريل) وهو يؤدي (لاتتركيني) على المسرح متماسكة بالانهيارات كما يبدو هذا المغني الخالد- الذي عد واحدا من أهم الشخصيات الغنائية على مستوى العالم – محتشدا بوحدته حتى لكأنه جميعنا وإذ ذرف أعماقه كلها في الأغنية -راقي الحس وصادق الأداء- فإن نظراته بدت لي أكثر حقيقة من ذات الحقيقة!
هناك من صار يؤرخ للأغنية الفرنسية على نحو(ماقبل لاتتركيني وما بعد لاتتركيني) وهناك من قادته هذه الأغنية لتعلم اللغة الفرنسية كما هناك أيضا من آمن بها كنشيد محتم للعشاق.. آخرون كانوا قد اقترحوا تعميمها كدواء في الصيدليات باعتبارها وصفة لتطبيب العشق ولا من غرابة و تبقى (لاتتركيني) أغنية كتاريخ إذ توحد سامعيها رغم اختلافاتهم وهي كذلك أغنية كهوية إذ تعرفك بإتقان على الأخر الذي تتعشقه في الوقت الذي تعرفه فيك وبإقتدار.
وأنا احدث صديقي جمال جبران عنها فاح بغصته..احسست بذلك من عدم حيادية آهته متذكرا أنها على رأس نصوص فرنسية ترجمها قديما قبل أن يتخصص بهذه اللغة الاستثنائية..بالتأكيد فان للأغنية حمولتها داخله الأمر الذي لم اشك فيه وفيما تجاذبنا إيقاعها معا -وكنا مترسخين في خفة الوجع المشترك- قليلا فقليلا كان يترجمها مندمع البسمات لكأنه يشرح غموض عدم هذا الوجود وقليلا فقليلا كنت اشد ماوراء العالم بأصابعي وأنا أتكاثر في تراتيلها.
يتجلى (جاك بريل)وهو يطلب من حبيبته أن تنسى الزمن والخلافات والوقت الضائع فذلك يفيد لتعرف كيف تنسى الساعات التي تقتل قلب السعادة..يقول لها برهافة أنا سأعطيك حبات المطر تأتي من بلدان لاتمطر وسأخلق مكانا سأعمل به الحب ملكا وتكونين ملكة و.. ينتهي حاسما بانه لن يبكي أبدا ولن يتكلم اي انه فقط سيختبئ هناك ويراقب حبيبته وهي ترقص وتبتسم مصغيا لها وهي تغني وتضحك فيما النتيجة الأقل والتي يتملاها كعاشق أكيد -في حال مافضلت حبيبته تركه – هو أن تتركه ظلا لظلها وظلا ليدها أو ظلا لكلبها حتى ويبقى معلوم شدة ولع الفرنسيين بالكلب باعتباره الأوفى والأليف والأكثر حميمة.
حقيقة إن (جاك بريل) هو الانسانوي الرفيع و مرآة المرايا والقديس إذ يتداوى بعز ألمه وهو الذي فضح الحياة في أغنية (لاتتركيني ).. لكن الكلمات المجنونة التي ابتدعها لحبيبته ترى هل استطاعت فهمها كما اعتقد هو؟
هل استطاعت فهمها كما اعتقد وهما غالبا مايريان بداية شعلة النار من البركان القديم الذي ظنا بانه قد شاخ؟!!!
*
لاتتركيني ك غربة تتضاعف
لاتتركيني حتى لا اتركني
لاتتركيني أول ملاذات العشق وأخرها
لاتتركيني ك(قبر معلق) في حفرة قلبك
لاتتركيني.. تلك المفردة الخلاصة في ديمومة الأمنيات.
[email protected]