التعريفات.. المندوب – أبو بكر السقاف

التعريفات.. المندوب – أبو بكر السقاف

تعريف في الفقه الاسلامي لكل فعل ليس واجباً ولا مقرراً ولكن يعتبر القيام به عملاً يقدره الوسط الاجتماعي تقديراً عظيماً، ويدخل في إطاره كل إظهار للكرم والرأفة والعفة والتعاطف الديني، وكذلك إنفاق الصدقة فوق مقاديرها المعروفة، والتبرع بالمال، وإلغاء الدين، وتحرير الأرقاء، ودفع المال مقابل اطلاق سراح الأسرى، وكظم الغيظ، وعيادة المرضىَ وتشييع الموتى وتقديم المساعدة في كل ما يتعلق بدفناء، وزيارة المساجد في غير أوقات الصلاة أو صلاة الجمعة، قراءة القرآن،، لاسيما ليلاً ودراسته وكتابته، وترغيب غير المسلمين في اعتناق الاسلام، وإكرام الضيف، ومساعدة المسافر في معرفة الطريق، وتجهيز المقاتلين الذاهبين إلى الجهاد… الخ. والشرط الأخلاقي الصارم يقضي ألا يطلب الانسان من الآخرين ذلك ولا أية امتيازات خاصة يغنمها لقاء أعمال الخير، فكل هذه الأعمال يجب أن تكون بدافع جواني. ويحتل المندوب مركزاً محورياً في الأخلاق الاسلامية،  ولعل هذا كان وراء قول المجددين في الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر بأن معظم التناقضات الاجتماعية مصدرها ذاتي يؤجج نزاعاً بين الأفراد، وأن إزالتها أمر سهل.
هذا التعريف المقولة جعلهم أيضاً يقولون إن الانسجام الاجتماعي أمر يسير بلوغه دون فعاليات وهزات اجتماعية وذلك بالاعتماد على ترقية شخصية الفرد. وهذا وهم شديد الرسوخ في الفكر الاسلامي بدءاً من جعل صلاح رأس الدولة الشخصي ضماناً لإصلاح كل ما خلا ذلك في الدولة والمجتمع. ولعل هذا مرتبط ليس فقط بغياب أي تصور للسياسة يقوم على المؤسسات بحكم بساطة الوسط الاجتماعي السياسي الذي ظهر فيه الاسلام، وهو ما تبين بجلاء في سقيفة بين ساعدة، بل وبأن الأساس في الاسلام هو أن يزع بالقرآن، أي يعول على قوة الهداية فيه، وعلى سيرة الرسول.
واتضح ان اتساع الدولة جعل الخليفة الثالث يطلق جملته المشهورة: «يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». وكان هذا بداية إلحاق الدين بالدولة، كما حدث في الدولة الرومانية (البيزنطية الشرقية) وهو ما يعبر عنه في تاريخنا بأن الخلافة أصبحت مع معاوية ملكاً عضوضاً. ولا يريد أسلافنا أن يعترفوا بأن البداية الموضوعية: اتساع دولة الفتح وتوفق الثروات، كانت في عهد الخليفة الثالث. والتعويل على مقولة المندوب عند العصريين محاولة لاستعادة جوانية الدين، الذي أصابته الدولة بتجويف شديد لايزال قائماً في كل الدول الاسلامية إلى يوم الناس هذا.