حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

وأنا أشرع في كتابة هذه المقالة سطرت على الشاشة الفضية الفكرة المحورية له (السماخة)، وإذ بالكمبيوتر يضع لي خطا أحمر تحتها. الكمبيوتر أعلن استهجانه واستغرابه للكلمة، فكيف بنا ونحن نعيشها واقعا يوميا، في هذا البلد (المسموخ)!؟ أن تعيش في بلد يرتهن لقانون “السماخة” شكلا لتدبير منظومة حياته، تلك هي كارثة عمرك.
والسماخة باليمني تعني:
أن تتجاوز الأنظمة وتكسر القوانين، من قانون المرور مرورا بالقوانين الجمركية والضريبية إلى قانون الانتخابات، وما عداها. و”السماخة” فعل، للاسم المفرد “سِمْخ”، وجمعه “سمخين”، باللهجة كما أظن، ما علينا… و”السمخ” شخص مرموق في الأراضي اليمنية ويتمتع بالجاه والمكانة، تؤهله سماخته لكل أفعال البلطجة، مشفوعا بالتهليل الاجتماعي: سمخ!
فحينما تخالف القاعدة المرورية في شارع مكتظ بالسيارات والمارة والمتسولين والباعة المتجولين ومفترشي الأرض والمجانين، معلنا تحديك في إرباك السير وحتى دهس أحدهم، فذلك تدليل على قوة سماختك. وعندما تتكئ على أنك شيخ ابن شيخ يهرول خلفك أفراد القبيلة مسلوبي الإرادة إلا من إشارتك، فعليك أن تثبت سماخة أكبر بأنك فوق القانون وفوق الدولة وفوق الجميع. أما إذا تمتعت بنسر ونجوم على كتفك فتشرع لنفسك الحق في أن تذهب في السماخة مدى، فتنهب الأراضي وتسطو على حقوق الآخرين. أما التاجر السمخ فهو ذلك الذي يتحايل على الضرائب ويتهرب من الجمارك ويغش في الجودة، وما إلى ذلك من فنون التجارة والسيمخة. والوزير السمخ الذي ينظف الوزارة من ميزانيتها ليضيف لممتلكاته بيوتا وعمائر وشركات، وأقلها محلات تجارية. وعلى منواله وحسب درجته وقدرته النائب والوكيل والمدير العام… سمخييييييين… والسماخة والسمخين أنواع وشرائح، فأحد أشكال السماخة تلك التي في المجتمع المدني. فمثلا: في انتخابات النقابات والاتحادات السمخ هو الذي يداحش ويضارب ويستخدم كل الأساليب الشريفة وغير الشريفة لتنحية زملائه، وزميلاته على الأخص، للفوز وإثبات جدارته في السماخة. وذلك السمخ المحنك الذي يستطيع “بلف” المانحين والداعمين الدوليين بمشاريع نص كم وسلق بيض. المغاير في الأمر أن المجتمع المدني مخترق بالسمخات، لأن السماخة توصيف لفعل ذكوري صرف. والسمخات هن اللواتي يعوضن بالسماخة الشوارب المقودة. ما علينا… سمخات. وتأتي سماخة الأحزاب والحزبية، وعلى رأسهم السمخ المحوري الحزب الحاكم، تليه أحزاب المعارضة التي لا تتوانى عن إجادة لعبة السماخة، والتباري فيها. ومن مظاهر سماختها أنها في الخطاب معارضة وفي الفعل موالية.
وحيث أن حيز المقال لا يسمح بذكر كل الفئات والشرائح المتسيمخة وأنواع السماخة وأشكالها، فإننا نكتفي بالملامح أعلاه.
وهكذا تتبدى السماخة رهانا يمنيا بامتياز ويمكن تكريسه كشعار للمرحلة الحاضرة والقادمة. والسمخ الذي يستخدمه كشعار له في الانتخابات القادمة.
في الضفة المقابلة تظهر السماجة في المجتمع اليمني، كمغاير يقابل السماخة ويختلف عنها في حرف واحد. ويلتقي معها في الكوارث التي يخلفانها، وفي كل هذا يغدو السمج الأكبر (بالجيم) هو الوطن… وحديثنا ممتد.

[email protected]