حمى «البوابات».. جراحة بآلة قذرة – غمدان اليوسفي

حمى «البوابات».. جراحة بآلة قذرة – غمدان اليوسفي

مساء كل ثلاثاء تعرض الفضائية اليمنية طريقة جديدة لدخول رئيس الوزرء على محمد مجور.. دخول البوابة الفاخرة أصبح جزءاً من المشهد، بعد أن كانت تغطية جلسة اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعية تتم من الداخل فقط.
بوابة المجلس تلك أنشئت في السنوات الأخيرة لعهد عبدالقادر باجمال بمبلغ قدره 55 مليون ريال، وكانت بمثابة “القدوة السيئة” للمؤسسات الحكومية الأخرى، حيث انتقلت العدوى مباشرة إلى وزارة الإعلام -جارة المجلس- التي أنشئت فيها بوابة جديدة.
انتشر فيروس البوابات سريعاً، وكلفت عمليات إنتاج ذلك الفيروس مليارات الريالات من الخزانة البريئة لحكومة أضحت عاجزة عن وقف نزيف المال غير المبرر.
تنفق وزارة تعيسة ك “وزارة التعليم الفني والتدريب المهني” مبلغا وقدره
700 مليون ريال تقريبا خلال عام واحد هو العام 2005، لبناء بوابات وأسوار في غالبية محافظات الجمهورية.
البوابات تلك كلفت بالتحديد هذا المبلغ 696.449.411، إضافة إلى مبلغ آخر سمي، في بنود تقرير رسمي صادر عن الوزارة “توسعات وتحسينات” بلغت قيمتها 593.679.572، ليبلغ إجمالي تلك المبالغ ملياراً ومائتين وتسعين مليونا و128 ألف ريال 1.290.128.983.
الخبر الأكثر سخرية أن قيمة البوابات والتحسينات بلغت أكبر من قيمة المعاهد التي أنشأتها الوزارة –وهي بالمناسبة وزارة بلا بوابة ولا مقر محترم- فخلال العام 2005 افتتحت الوزارة ووضعت حجر الأساس ل7 معاهد في عموم المحافظات، بقيمة مليار ومائة وتسعة وخمسين ملياراً ومائتين وخمسة وثلاثين ريالاً. 1.159.201.235.
هذا الحديث عن وزارة واحدة، وهي وزارة صغيرة بصغر حجم مقرها وميزانيتها السنوية قرابة ال 9 مليارات.
ظلت البوابات ترفع خرساناتها وشهدت الأربعة الأعوام الأخيرة “ازدهارا” مشهوداً حيث ظهرت بوابات فخمة جداً تستر وراءها واقعاً تعيساً في غالبية الأحيان… أبرز تلك البوابات بوابتا جامعة صنعاء، التي لا يملك البيت الأبيض في واشنطن مثيلاً لها؛ فقد قدرت المبالغ التي صرفت لبنائهما أكثر من 123 مليون ريال، بينما يدرس طلاب، كطلاب كلية الإعلام، في مبنى لا يصلح لأن يكون حظيرة.
لاتتفوق على أناقة بوابات جامعة صنعاء سوى بوابة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة التي لم يتم التوصل إلى تكاليفها، لكنها بالتأكيد كانت ستكفي لإعاشة مائة أسرة لمدة عام على الأقل، ومثلها بوابة منشأة الأمن المركزي، ومثلها بوابة بالقرب منها وأكثر إدهاشا، هي بوابة دار الرئاسة الجديدة.
تتناثر البوابات على معظم شوارع العاصمة، فوزارة الزراعة هي الأخرى التي أرتأت أن تطور هذا القطاع المهم ببوابة مترنحة ببياض لا يتناسق مع لون مبناها المتواري خلف السور الجديد الذي ولد مع تلك البوابة.
لم تنحصر تلك الظاهرة في العاصمة، فامتدت إلى المحافظات الأخرى فأُنشئت أسوار كأسوار جامعة ذمار وبوابتها التي كلفت أكثر من 70 مليونا، وتظهر خلفها مباني ربما كانت تكلفتها تقارب تكلفة البوابة. أما جامعة “إبـ” فازدهار البوابات فيها كان أكثر تقدما، حيث أنشأت تلك الجامعة ثلاث بوابات هي الأفخم وبنفس تصميم بوابات جامعة صنعاء، وبتكاليف تصل قيمتها إلى قرابة ال 180 مليون ريال.
قبل سبع سنوات ظهرت بوابات بمبالغ هائلة، منها بوابة مدخل مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، وكلفت حينها 25 مليون ريال، وبوابة ما أسمي حينها ب “قوس النصر” في مدخل مدينة الحديدة وكان الحديث يدور حينها عن مبلغ 50 مليون ريال.
مبالغ وأرقام تثير قدراً كبيراً من الحساسية في نفوس البسطاء، فميزانية جهاز محو الأمية بلغت 323 مليون ونصف المليون، بينما لا تتجاوز قيمة الدواء الذي يصرف للمستشفيات الحكومية 900 مليون ريال في العام.
من يصدق أننا فقراء إذن! وكل هذا الترف يحدث بمباركة حكومية ومن أعلى المستويات، وتسيطر “لوبيات” المناقصات على مشاريع وهمية لا تستحق 10% من تلك المبالغ!؟
الأكثر غرابة أن مباني محترمة تابعة لجهات خاصة لم تغرم بالبوابات فتلاحظ أن أجمل مبنى في صنعاء (فندق موفنبيك) لا يملك بوابة، وكذلك كبريات الشركات، كشركات بيت هائل، والمستثمرين الآخرين.
أورث اليمنيون القدماء هذه العادة السيئة، فانتابت المسؤولين الجدد هذه الحمى، وأرادوا تخليد هذه البوابات لتضاف إلى قائمة البوابات التاريخية، كباب اليمن والستة الأبواب المندثرة في صنعاء، والباب الكبير وباب موسى في تعز، وباب عدن وبوابات مدائن ك “ثلا” و”كوكبان”، وباب اليمن في صعدة وغيرها.