كرة القدم.. بين فتاوى التحليل والتحريم – طلال سفيان

كرة القدم.. بين فتاوى التحليل والتحريم – طلال سفيان

ما تزال كرة القدم من أكثر الرياضات إثارة للجدل الفقهي بين علماء المسلمين حتى اليوم، فرغم أن عقوداً طويلة مرت منذ أن ظهرت في العالمين العربي والإسلامي، إلا أن فتوى فقهية واضحة حولها لا توجد حتى الحين. وما يصعب من مهمة العلماء في هذا الخصوص هي الكرة نفسها، وما يرتبط بها، وهو ما قد يدفع البعض إلى تحريمها كلية وآخرون يميزون فيها بين ما هو حرام، وما هو مكروه، وما هو مباح.

إذا عدنا إلى بداية ظهور كرة القدم في العالم الإسلامي سنجد أن أغلب علماء الفقه في النصف الأول من القرن العشرين حرِّموا هذه اللعبة لاعتبارات عدة منها: أنها تقليد للغرب، ولأنها تمارس بلباس غير محتشم، وماإلى ذلك من الأسباب المبررة لتحريمها، وذلك على الرغم من أن اللعبة كانت في تلك الفترة مجرد هواية رياضية تختلف كثيراً عما هي عليه اليوم، كما أن التحريم كان إلى حد ما متأثراً بالأوضاع السياسية في الدول العربية المرهونة بالاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، وأيضاً لأن الكرة نفسها دخلت العالم العربي من بوابة الاستعمار، ولهذا نجد أيضاً تفسيراً مماثلاً لتحريم الفقهاء في تلك الحقبة للراديو، على سبيل المثال، أول ظهوره.
لكن مع مرور الوقت بدأت نظرة العلماء تختلف، وانتقلت الكرة من نقطة إجماع إلى نقطة خلاف، فهل ممارستها محرمة من الأساس؟ أم هي سد للذرائع؟ وما هو الخط الفاصل بين الحلال والحرام فيها؟ اسئلةما زالت عالقة ولم تجد إجماعاً عاماً ينهي هذا الجدل الفقهي حول الرياضة الأكثر شعبية في العالم العربي، بل والعالم كله.

فتاوى كروية
يرى الشيخ القرضاوي، وهو عالم معروف: أن كرة القدم لم تعرف عند السلف إلا أنها من الرياضات التي تباح ممارستها، إلى جانب السباحة والرماية وركوب الخيل، لكن هذه الإباحة ليست مطلقة بل لها شروط، لا بد من احترامها ومراعاتها، وإن أخل بواحده منها أصبحت مكروهة ومحرمة، حيث يقول في فتوى شهيرة له على موقعه الالكتروني الخاص حول هذا الموضوع: لا يوجد مانع شرعي من لعب كرة القدم بشرط أن تراعي ضوابط عدة منها: أن لا تشغل اللاعبين عن واجباتهم الدينية كأداء الصلوات في أوقاتها، أو الدنيوية كمذاكرة الطلاب لدروسهم، والانشغال بها عن كسب العيش، وإهمال الوظيفة، وأن تحترم قواعد اللعبة المتفق عليها بين أهلها، وأن لا يستخدم العنف بين ممارسيها؛ لأن الله يحب الرفق ويكره العنف، وأن لا ينحاز الحكام لفريق ضد خصمه وذلك مصداقاً لقوله تعالى «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل». (النساء). وعلى هذا الأساس يساند القرضاوي العديد من علماء لجنة الإفتاء التابعة لموقع «إسلام أون لاين» المعروف، حيث جاء في فتوى عامة مايلي: لا يحرم الإنسان من التمتع بطيبات الحياة في الحد المعقول من الترويح عن النفس، ومنها ممارسة الألعاب الرياضية. ولكل جماعة أن تختار ما يناسبها منها.
حتى من تشددوا في الحكم عليها لم يحرِّموها لذاتها، كما جاء في فتوى شهيرة لمفتي الديار السعودية سابقاً محمد بن ابراهيم آل الشيخ، حين قال عن الرياضة وكان السؤال عن كرة القدم: «أما السؤال عن حكم الرياضة في الإسلام فلا شك في جواز استحباب ما كان منها بريئاً وهادفاً في التدريب على الجهاد وتنشيط الأبدان وقلع الأمراض وتقوية الأرواح». لكن البراءة التي تكلم عنها الشيخ لم تعد موجودة في كرة القدم اليوم، إلا ما كان منها مخصصاً للهواية بين أطفال المدارس، فالكرة وبشكلها الحالي أصبحت سلعة اقتصادية. ومن هذا الارتباط رأى علماء آخرون أن تحريمها يأتي من باب سد الذرائع. وهو ما ورد في بحث للشيخ السعودي بدر العتيبي جاء فيه: «أما حكم اللعب بالكرة فهو من اللهو بلا شك. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بما يحل لنا أن نلهو به فقال: كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه لفرسه وملاعبته لأهله فإنه حق». وفي رواية أخرى «وتعليم السباحة». وهو ما يستند إليه الشيخ السعودي حمود التويجري بقوله: «إن اللعب بالكرة من الضلال لقوله تعالى: «فماذا بعد الحق إلا الضلال». كما يرى من حرموا لعبة كرة القدم بأنها تشتمل على عدد كبير من المحرمات منها إشغال اللاعبين والمتفرجين عن أداء الصلاة، وأنها مدعاة للفرقة والتحزب والتعصب المنافية لقيم الإسلام، كما أنها تعرض اللاعبين للإصابات وإفساد البدن وهو ما نهى عنه الإسلام، إلى جانب أن الكرة تشهد تبذير الأموال والمراهنات المحرمة شرعاً.
أما العالم اليمني عبدالوهاب الديلمي، لم يحرم الكسب من الكرة إلا أنه نبه إلى محرمات حذر منها في فتوى سابقة له على موقع «إسلام أون لاين» تقول أن الإسلام لم يحرم الترويح النفسي بالنشاط، بشرط أن تكون بوسائل مباحة لا يكون فيها أمر كالقمار ولعب الميسر والشطرنج… وعليه فإن لعب الكرة اليوم خرجت عن إطارها النشاطي، وأصبحت اللعبة من وسائل اليهود التي يريدون بها شغل الشباب المسلم في ترهات الأمور.

جدائل محرمة
ذهب أغلب العلماء إلى تحريم ممارسة السيدات لكرة القدم، وذلك تحت مبرر أن هذه الممارسة غالباً ما يتابعها الرجال وتنكشف فيها عورة اللاعبة، فضلاً عن أن أغلب من يدربون اللاعبات هم من الرجال، وغيرها من الأسباب الشرعية التي توجب التحريم. لكن آخرين يقولون: إن توافرت بعض الشروط فقد يباح للمرأة ممارستها منها: أن يقتصر التفرج على النساء، وأن لا تنقل عبر شاشات التلفزة، وأن يكون لهن مدربات فقط، وأن تكون الممارسة بينهن، علاوة على احتفاظهن بلباس رياضي محتشم وتغطية رؤوسهن. وهذا ما يبرر دور ثقافة التشدد والغلو تجاه ممارسة السيدات للرياضة والدور المنعكس على المرأة المسلمة داخل المجتمع العربي في نظرتها أولاً لممارسة هذه الأنشطة والتي تمثل في قيام امرأة عربية بتوجيه سؤال إلى أحد المواقع الإسلامية، تساءلت فيه عن حكم الإسلام في الزواج من نجم كرة قدم عربي يلعب ضمن الدوري الألماني. وجاء الجواب بالمنع لأنها، حسب نص الاجابة، لن تكون آمنة على نفسها في بلاد الكفار ولا حتى على أبنائها، وثانياً لأن الزواج بلاعب متفرغ للكرة بالكامل أمر لا يصح، رغم أن فتاوى العلماء قد تبدو أحياناً متضاربة كما يصعب التفريق فيها بين ما هو حلال وما هو حرام، إلا أن معظمهم يجمعون على تحريم ما حرمه الشرع بشكل واضح، كالمغالاة في رفع رواتب اللاعبين، وفي صفقاتهم من باب الإسراف والتبذير المحرم؛ وكذلك الإنشغال بالكرة عن اداء الواجبات الدينية، فضلاً عن المراهنات وارتداء الملابس الفاضحة والتقليد الشكلي للاَّعبين الغربيين، وإثارة التعصب, وجميع الأشكال التي ليس هناك من جدل أو خلاف عند العلماء بتحريمها, أو على الأقل كراهتها. أما كرة القدم الخاصة بالسيدات فهناك في حقيقة الأمر إجماع على حرمتها، حتى من أباحوا ممارستها للجنس الناعم اشترطوا شروطاً يستحيل تحقيقها.