ياء النداء.. توقفت حرب صعدة وهذا هو المهم – محمد محمد المقالح

ياء النداء.. توقفت حرب صعدة وهذا هو المهم – محمد محمد المقالح

توقفت حرب صعدة، فشكرا لمن أوقفوها ولكل جهد بذل من أجل إيقاف النزيف اليمني الذي طال حياتنا طوال خمسة أشهر متواصلة.
نعم، لم تكن هذه الحرب القذرة سوى نزيف متواصل في كل شيء له علاقة بهذه اليمن وهؤلاء اليمنيين، بدءا من نزيف الدماء والأرواح, وانتهاء بنزيف الضمائر والأفئدة, مرورا بنزيف السلام الأهلي ونسيج الوحدة الوطنية والاقتصاد الوطني، وصولا إلى نزيف العملية السياسية والروابط الاجتماعية والعلاقات الإقليمية والدولية, وأي شيء آخر يمكن إضافته إلى هذه الخانة النازفة.
ليس في هذه الحرب ولا في الحروب الداخلية المشابهة “منتصر، ومهزوم”… كلنا مهزومون بالحرب، وكلنا منتصرون بالسلام. وإذا كان لا بد أن نسمي أو نشير بالبنان إلى من هو”المنتصر” فهو العقل والحكمة ومن يعملهما في حالة الخلافات والصراعات الداخلية, وإلى من هو “المهزوم” فهي ثقافة الحروب وتجارها، وهم بالمناسبة موجودون في صفوف الطرفين وخارجهما، وهم من يتحدثون اليوم عن “انتصار” هذا الطرف و”هزيمة” ذاك، بقصد إضعاف اتفاق السلام أو إفشاله إن استطاعوا.
توقفت حرب صعدة، وكان لا بد لها أن تتوقف في أي لحظة، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، ولم يعد لاستمرارها أي فائدة أو معنى سوى مزيد من القتل والدمار، وبعد أن تأكد مَن فجروها ومِن واقع التجربة الميدانية المريرة، أن الحرب بقدر ما كلفتنا من خسائر فادحة في الأرواح والإمكانيات، لم تحل مشكلة صعدة، بل عقَّدتها وولدت منها مشاكل أخرى أكثر خطورة على أمن واستقرار البلاد، وعلى مستقبل السلطة والمعارضة والعملية السياسية برمتها. ومع أن عقلاء كثيرين حذروا من هذه النتيجة الكارثية قبل تفجير الحرب، إلا أن أصحابها لم يسمعوا ولم يصدقوا، وقد كان عليهم أن يجربوا، وقد فعلوا، ونرجو أن يكونوا قد اتعظوا.
توقفت حرب صعدة، ولن نسمح لكم بإعادة اللعب بأوراقها وقذائفها على رؤوسنا مرة أخرى… سنخرج إلى الشوارع والميادين لنرفع في وجوهكم شارات السلام، وسندعو الجنود والحوثيين إلى رفض أوامر قادتهم والعودة إلى أمهاتهم الحبيبات وزوجاتهم الجميلات وأطفالهم الحبوبين. ومن أجل أن نمنعكم من اللعب بالرصاص على فناء منازلنا وحقولنا، سنرفع في وجوهكم المناجل والفؤوس، وسنمنع نساءنا وأطفالنا من سماع أخباركم وأخبار حروبكم القذرة، وسنتركهم يعيشون حياتهم بلعنكم ولعن حروبكم إلى يوم الدين.
توقفت حرب صعدة، وعادت ضحيان الجريحة إلى صدر رمانها الداميات وصباياها المكلومات ومآذنها ومنازلها الشهيدات. فأتيحوا لها -أثابكم الله- ساعة من الزمن للحزن والتأمل، ولا تزعجوها بأزيز طائراتكم وتكبيرات مجاهديكم… أترجاكم أيها النافخون على كير صعدة ومراجلها، أن احترموا كبرياء ضحيان المجروحة وحزنها الجميل.
توقفت حرب صعدة، وهذا هو المهم، ولن أتوقف كثيرا -كأخبار اليوم- أمام سفر عبد الملك الحوثي إلى الدوحة أو بقائه في النقعة، وما إذا كان سفره مفيدا لوقف الحرب أم أنه سيتركها للمتطرفين، معتقدا بأن أولوياتنا جميعا في هذه المرحلة هي الانشغال بإيقاف الحرب وبالمأساة الإنسانية الكبيرة التي خلفتها، وعلى وجه التحديد قضايا النازحين والمعتقلين والمفصولين من أعمالهم بغير حق.
توقفت حرب صعدة بعد أربع سنوات من الدماء والأشلاء والتشرد والنزوح، وبعد أربع سنوات وأربعة أشهر من الصمت والفرجة القاتلة وتزييف وعي الناس. فهل يتيح لنا هذا فرصة لتنفس الصعداء والحديث عن أنفسنا وعن مأساتنا في صعدة، بمصداقية وصراحة، بعيدا عن الخوف والنفاق والأكاذيب المكشوفة؟ هل يمكن لعديد من مراسلي الفضائيات ومحرري الصحف أن يصوروا ويتحدثوا ويكتبوا عن صعدة وعن حربها وسلمها بطريقة مختلفة بعد أن توقفت الدبابات والريالات عن قصف إنسانيتهم ومهنيتهم؟
توقفت حرب صعدة، وقد تعرفت على “آل الصيفي” و”بني معاذ” و”جرف الهوى” و”غوايا” و”غمر” و”شذا” و”المدورة” و”الدقائق” و”الشط” و”فلة” و”جبال الأزد” وعبد الباري طلحان وعبد العزيز العزعزي ومحمد ضيف الله هاشم وخالد مطهر ومحمد القطابري وحسان حسين وهزمل علي هزمل، وعشرات الأسماء والأماكن الجميلة في صعدة. فشكرا لهم جميعا وشكرا لكل من سعى لإيقاف الحرب، في “المشتركـ” وفي حملة “معا ضد حرب صعدة”، ولعشرات الكتاب والسياسيين الذين يسعون اليوم لأنْ تكون حرب صعدة آخر حروبنا القذرة والإجرامية.
شكرا لدولة قطر الشقيقة، وشكرا لشعبها وأميرها، الذين ذكرونا حين نسينا الجميع، واهتموا بإيقاف نزيف دمائنا حين تجاهلها العالم وظل يتفرج على عبثنا بأنفسنا طوال هذا الوقت الأسود من حرب صعدة.
شكرا لعلي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر وعبد الملك الحوثي وعبد الله عيضة الرزامي، وغيرهم ممن تقاتلوا على رؤوسنا وعادوا إلى رشدهم وحكموا عقولهم. ومع أننا نفرق بين الظالم والمظلوم منهم، إلا أننا سنشكرهم جميعا حين يتركوننا نعيش بسلام وحين تكون خطيئتهم في صعدة آخر خطاياهم في حق شعبهم ووطنهم.
[email protected]