حنايا.. هدى العطاس

حنايا.. هدى العطاس

يا جميلتي، تتضرجين طوال الليل بلا هوادة إثر الحر في المدينة التي يلتهب مناخها ويلتهب جوها النفسي. فقبل سنوات، أراها الآن طويلة يا عزيزتي، في بداية العقد الثمانيني بالضبط، عندما دلفت، أنا أمك، هذه المدينة… صغيرة كنت بضفائر غافية، وبتطلع طفلة لم تعرف حدودا أبعد من نخلة وجبل يحاذيان السماء المطلة على الوادي القادمة منه. وإذا بعدن مدينة تستقبلني بصبح نديِّ، وأفق مفتوح على اللانهاية، يتماهى مع تطلعي الطفولي ومزاجي الطامح… أذكر أنه ندَّت عنا راكبي السيارة جميعا، صرخة دهشة دشنَّا بها علاقتنا بالبحر حينما انفرد بكبره وبهائه أمام ناظرنا، والذي طالما سكَّن هواجسنا الريفية الصلدة، ووشوشت مويجاته أحلام يقظتنا نحن قاطني الاودية والجبال. تبادلنا الزهو حينها لفرصة منحت لنا كامتياز أن نصبح من ساكني المدن البحرية. كان البحر مستكينا بغموضه وحكمته الأبدية وقد انتهى من غسل أقدام المدينة من دورة دم، كان الاخوة الأعداء قد سفحوها قبيل سنوات قليلة، وربما أخذ يفتل حكمته متهيئاً لدورات قادمة تصاعد هيجانه دونما حيلة يمتلكها ليغسل المدينة وضوءاً لصلاة الاستخارة، عدن، يا صغيرتي، مدينة لا تملك خياراً ولا جبروت صد. بقلب رحب تستقبل الكل، يدلفها البعض بخطوات محبة بينما يدوس البعض عنقها بأقدام غليظة. دلف إليها الملوك والسلاطين والسماسرة والنخاسون تجار الرقيق بكل أصنافه، والشعراء والعشاق والطامحون في الثروة والمحاربون ودعاة السلام والعابرون والحالمون ومن يملك كبداً رطبة، ومن يحمل صدفة على ظهره، ومكشوفو الظهر والقلب، كل هؤلاء وغيرهم من اصبحوا مقيمين في جنباتها وزواياها أو مستطردين خلف ذاكرتها، كلهم جميعا يجمعهم رابط الوقوع في شباك حضورها الكرنفالي والتعلق ولو بأذيال ظلها البهي. وهي في كل ذلك ابتسامتها بعرض البحر- وإن شابها مؤخراً بعض الاصفرار- وسماؤها بأفق لا يحد، ومحمول غيبها مضمخ بالترقب والأمنيات. اذكر يا حبيبتي أننا دلفنا عدن في صيف كهذه الأيام حار غير أنه لم يكن جهنم كما هو عليه الآن. يقينا لم يتغير طقس المدينة الجوي ولكن تغير مناخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وعليه اختلف طقسها العاطفي والروحي، وما حدث لها وفيها، يبرر أن تصلي الناس سعير لا تطاق. ويا ليتها، صغيرتي، عن وعي، تستغل نار صيفها لتطفيش “مهاوزيها” الطافين فوق جلدها، المتواضعين في غزلهم وقدراتهم العشقية، الذين لا يحتملون هواجس انفتاحها وسعة روحها ومزاجها المغامر، زاحفين عليها بأصفادهم حيناً، وبشرائط ملونة رديئة الخامة لتكبيل جدائلها وربط خصلاتها المنفلتة، الآمن البهجة والحب حيناً آخر، ولجم جموحها الكوزوموبوليتاني.
أذكر يا فلذة القلب! أننا حينما وصلنا عدن محطة للسكن والاستقرار، كان أبي وكعادة أهالي القرى لم يستكمل بناء البيت الذي سنقطنه إلى الآن، مما اضطرنا حينها للنوم بين نشارة الخشب، و«الكري» والرمل. ولم يخفف قسوتنا بالمقام الجديد بعد بيت يشبه القصر في وادي دوعن، لم يخفف القسوة سوى توارد أهل “الحافة” علينا واكتظاظ المائدة بأطباق الطعام العدني من إمدادات الجيران. كان شهر رمضان كما أذكر، وكما روح المدينة كان الناس يتحلون بالكرم والود، إنها عدن تُلبس الناس حلتها. غير أن حلتها أصبحت مهلهلة بالية مزقتها الأصابع الخشنة للطامعين، ومائدة رمضان العامرة تقلصت إلا فيما يسد الرمق واختزلت إلى ذكرى طرية لا تبارح الصائمين قسراً إلا من عشقها. عدن يا صغيرتي مدينة بخصوصية شاهقة وصيف حار.. زماااااااااان كان يخفف حدته أن نفتح نوافذ بيوتنا وأبوابها على الهواء البحري، وعلى هوى المحبوب بارتكان لا يخالجه شك أو ارتياب من مقتحم غير مرغوب فيه، أو متلصص ينقصه التهذيب والأدب، أو سارق دافعه الجوع والفقر. كان زمنا لم يكن فيه الفقر الخبز اليومي للناس، ولا الجوع طبق المائدة الأساسي، ولا المتنفذون يجرجرونك خارج مأواك وحقوقك، ولا فاسدون يفسدون حتى الهواء الذي تتنفسه ويفرضون الإتاوات حتى على بعض نسيم منحة البحر، الأب الروحي للمدينة، ولا مسلحون ومرافقون يجوبون الشوارع مستعرضين الموت برصاصة قد تبدو خطأ إجرائياً، ولا أطقم عسكرية ومواكب تبصق النفوذ والقوة في وجه المارة، ولا سيارات فارهة تدهس امنيات الحفاة…. بقليل من الهموم كنا نعيش، وبكثير من المصادرة الفكرية والخوف السياسي، لا أخفيك… ولكنه خوف لم يكن يمنعنا من نصب الخيام على الشواطئ والمبيت فوق رمالها، و تصعيد الغناء والبهجة، ولا يحاصر الألفة المبثوثة بين الناس، ولا يصادر التجاور الجميل لخليط الثقافات والسكان، هموم لا يتحكم فيها قلق من أن لا نحظى بمأوى وملبس ومأكل وعلاج وتعليم وقوانين نافذة يستظل بها الجميع.
وحديثنا ممتد.
[email protected]