في انتظار… سراج – هدى جعفر

في انتظار… سراج – هدى جعفر

في 1949 كتب الاديب الايرلندي صامويل بيكيت مسرحيتة الشهيرة “في انتظار غودو” التي تحكي عن مجموعة من الفقراء المطحونين الذين ينتظرون الخلاص الآتي علي يد البطل غودو الذي لا يأتي.
كنت أود الحديث منذ فترة عن الشيخ “سراج وهاج” إمام مسجد “التقوى” في حي بروكلين النيويوركي وقبل أن نغتاب الشيخ سراج دعني أعطكم لمحة عن الحي المذكور: من الطبيعي في بروكلين ان ترى سيدة ترتدي تنورة ميكروسكوبية، ناهدة الصدر, ذات شعر طويل مستفز، وتكتشف بعدها أنه رجل ينتظر عشيقه، أو تستمع الى طفل يتشاجر مع آخر بسبب خداعه في سعر الهيروين الذي اشتراه منه أو ترى مومساً تركض في الأزقة دامية الوجه بعد أن شوهها زبونها السادي بموس الحلاقة. في هذا الحي المختنق بروائح العطرالرخيص والأفيون والعرق يقع مسجد “التقوى” وإمامه الشيخ سراج وهاج، ذكر قصة الشيخ سراج المفكر الكبير قدراً وسنا “فهمي هويدي” في كتابه “حتى لاتكون فتنة” يقول هويدي في الكتاب: “خلال سنوات محدودة قاد الشيخ سراج وهاج حملة من المسجد للدفاع عن الأخلاق والفضائل استأصلت بكفاءة مثيرة للانتباه الكثير من الشرور التي استوطنت الحي، من الشذوذ والدعارة الى الإدمان والسرقة والتسولـ” وحينما سأله هويدي عن سر نجاحه في هذا الامر قال إنه ركز في خطبه الدينية على روح الاسلام الحقيقية!!!
لقد شعرت بالقليل من الاستغراب والكثير من الغضب الذي صببته على مشايخنا الأفاضل وأخص السلفية منهم بالذات، فالشيخ سراج وهاج مسلم مثل الألباني، ومحمد بن عبد الوهاب، وبن باز، أي أنه يقرأ القران ذاته ويحفط الاحايث ذاتها ويصلي الفروض الخمسة ذاتها, ولكن الشيخ سراج لم يضع وقته ووقت تلامذته في ملاحقة الناس بسيارة هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتأكد من إغلاق محالهم في أوقات الصلاة، ولم يحش عقول فتيات المسجد بأن الفتاة ستأخذ نصف ميراث أخيها ولن يشفع لها طاعتها لوالديها وشهادات التقدير الحاصلة عليها من المدرسة، وأن نتف الحواجب سبب كي تصيبها لعنة الله التي تخرجها من رحمته، حتى وإن ارتضت بقلب مؤمن بنصف ميراث أخيها!! ولم يقطع الشيخ سراج أيامه في ملاحقة غيره من المشايخ ليفضح حقيقتهم المتزندقة، والصوفية التي تمارس الشرك بجميع مقاساته، وإنشاء مواقع الكترونية مثل “الجلي في تبيان حقيقة الحبيب علي” أو إنفاق أموال طائلة على إصدار كتيبات من طراز “احذري الهاتف يا فتاة الاسلام” أو “فضل تعدد الزوجات”. فعل الشيخ سراج هذه النجاحات الاخلاقية متوفقا على الكثير من المؤسسات الدينية، بل وحتى على الشرطة الامريكية التي وقفت حائرة أمام قصص حي بروكلين!!! هذاالشيخ الذي يقف وراءه إرث ضخم من العنصرية والظلم لم يستغل سلطته الدينية للإنتقام من الرجل الابيض أزرق العينين الذي أحضره من بلاده الحارة وباعه لرجل ابيض آخر, ولم يجمع التبرعات لمحاربة الصليبين الذين يعيش معهم وبينهم أو حشد القوى لتحطيم تمثال الحرية كما أراد أن يفعل طالبان بتمثال بوذا.
في دولة مثل السعودية – حيث عشت معظم حياتي – لا يمكن أن تسير مائة متر دون أن تقابلك خمسة أو ستة مساجد عامرة بالمصلين والمصليات أغلب اليوم، مالذي قدمته هذه المساجد للسعودية؟ بما أن السعودية هي مهد الاسلام كما يؤكدون دائماً، لماذا لم تزل هناك أحياء في غاية القذارة، ومبيعات المخدرات في ازدياد، والتحرش بالنساء ينتقل من نصر إلى آخر، وأبرزها قضية نفق النهضة في الرياض؟؟
لوكان إمام واحد بين كل عشرة أئمة مثل الشيخ سراج لكان الحال غير الحال. ولا أعتقد أنه سيكون هناك أمهات يبكين أبناءهن المرتدين للملابس البرتقالية في أقفاص غوانتانامو, ولن تكون نسبة مشاهدة العرب للمواقع الإباحية اكثر من 95%، ولن تضطر أمة طويلة عريضة بمساجدها وعمائمها ولحاها وبراقعها أن تظل وحتى الآن “في انتظار…. سراج”.
[email protected]