حماس تحرر غزة من الفلسطينيين!! – عارف أبو حاتم

حماس تحرر غزة من الفلسطينيين!! – عارف أبو حاتم

سترتفع حصيلة القتلى في فلسطين، وترتفع معها صرخات الخطباء تدعو لهم بالنصر، وحسب التعريف الديني: حين تقشعر الأبدان، وترق القلوب، فتلك ساعة إجابة، وهنا نبدأ بالدعاء للفلسطينيين بالنصر على عدوهم، دون أن نحدد من هو!
وفي الغالب نختصره بالعدو الجاهز “إسرائيلـ”.
للمشكلة الفلسطينية عشرات الوجوه: الاحتلال، السلطة، الفصائل، السلاح، حق العودة، دول الطوق، القرارات الدولية، أموال المساعدات، التدخل الخارجي، مشكلة حتى في من يمثل القضية الفلسطينية خارجياً، لكن لا يلوح في الأفق حل واحد لقضية عمرها أكثر من ستين عاماً.
خالد مشعل، في مؤتمر صحفي مساء السبت، كان يضع علم حركته حماس بالقرب من ساعده الأيمن، يليه علم الدولة الفلسطينية، في بادرة واضحة النوايا: حماس أولاً، فلسطين ثانياً. قبلها كان أفراد حماس يسقطون علم الدولة ويرفعون علم حركتهم… هكذا تتحول حماس إلى شيء أكبر من وطن.
قبل مؤتمره الصحفي بساعات كان مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس يهاتف الزعيم الليبي معمر القذافي، ويؤكد له أن فكرة “دولة الضفة وأخرى في قطاع غزة” تعد خيانة لا تفكر فيها حماس. وكأن الدماء التي سالت، والأرواح التي تطايرت، لا تمثل خيانة لأرواح الشهداء، ولا خيانة للقضية، أو للشعب الفلسطيني، الذي منح ثقته لعباس رئيساً ولحماس حكومةة… أنهار الدماء ليست أكثر من زيت يضيء الطريق المتبقية أمام الطرفين للانقضاض الكامل على الحكم.
وبدم بارد يخلو من أية مسؤولية أخلاقية، أو سياسية، يقول مشعل “ما حدث في غزة خطوة اضطرارية للتعامل مع حالة أرادت تفرض نفسها على الجميع”.دون الإفصاح عن ماهية تلك الحالة،ولا عن طبيعتها.
تصرفات حماس تلك منحت الظلام مساحةً ليست بالقليلة، كي يجثم على درب المشروع الإسلامي المعتدل، إذ بدأ الناس يتوجسون، وينظرون بريبة، إزاء مستقبل الديمقراطية في ظل حكم الأحزاب الإسلامية.
دائماً تكمن خطورة التصرفات غير المدروسة أن كثيراً من نتائجها تحرق في لحظات ما تم بناؤه في سنوات طوال.
حماس احتفت مساء الجمعة بتحرير غزة، وممثلها بصنعاء “جمال عيسى” يؤكد أن “ما حدث هو عملية موضعية جراحية لاستئصال عناصر الفتنة بأقل الخسائر الممكنة”. مع أن كل الدماء التي جرت في شوارع غزة لم يكن بينها قطرة دم إسرائيلية، والأرواح الصاعدة إلى السماء، -رغم تجاوزها ال(100) روح- لم يكن بينها واحدة تحمل الهوية الإسرائيلية، والجثامين المركومة، والمسحولة في الطرقات، والممثل بها، كلها كانت فلسطينية خالصة، فممن حررت حماس مدينة غزة!؟
لا تعدد في الاحتمالات… لقد حررت غزة من الفلسطينيين، لتبقى مدينة حماسية بامتياز، ذاهبة إلى ما هو أبعد من إلغاء الرأي: إلغاء الجسد!!
ومسألة التلفيق بكيل الاتهامات؛ بالخيانة والعمالة،لن تكون مسوغاً لقتل الآخر، ومصادرة حقه في الحياة،لأن هناك قضاءً، وقنوات قانونية، مهمتها الفصل في تلك الادعاءات، فضلاً عن أن التمثيل بالأجساد الميتة محرم شرع، ومرفوض في كل الأعرف الإنسانية.
الطرف الآخر: مؤسسة الرئاسة، أو حركة فتح ليسوا بأبرياء، وإن أجادوا البكاء والتباكي، والظهور بثوب الضعيف المظلوم، غير أن تركيز الحديث عن “حماس”، يأتي من كونها صاحبة مشروع أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. حماس التي احتوت المشردين وداوت الجرحى وواست أسر الشهداء، ووزعت الغذاء والدواء والملبس، والمأكل والمال واهتمت بتعليم أبناء شعبها، كاهتمامها بصحتهم وتنقلهم، وأمنهم وحق عودتهم… لكن “كل شيء تحطم في نزوة فاجرة”، في شهوة البقاء والتملك، في حب التسلط والحفاظ على الكرسي.
غداً ستستنفر حماس قادتها لدى الحكام والمسؤولين والأمراء ورجال الأعمال، وتوزع رجالها في مساجد ومدارس العالم العربي… سيقيمون معارض خيرية، تشجيعية، سيعرضون عشرات الصور التي تُظِهر إسرائيل منتهكةً لحقوق الإنسان الفلسطيني، بالتأكيد لن يكون بينها صورة قائد كتائب الأقصى “سميح المدهون”، ليس لأنه مطلوب من إسرائيل، أو لأن صورته: مقتول، عاري الجسد، مُمثلٌ به، مسحول في شوارع غزة… بل لأن الفاعل، القاتل “حماس”… صاحبة المشروع الأخلاقي.
إسرائيل كعادتها في اغتنام الفرص، قدمت نفسها للعالم الخارجي بوجهٍ أكثر إنسانيةً، وهي تفصل بين معتقلي “حماس وفتح” لديها، حرصاً منها على دماء الأخوة الأعداء!!
لا اعتقد أن حماس تفكر الآن بمعرض خيري، تعرض فيه صوراً لانتهاكات إسرائيلية، كما لا تفكر بجمع تبرعات لشراء سلاح يقاتلون به.
لن تستطيع منذ الآن، أن تطالب بحق العودة لفلسطينيي الشتات، فهم في مكانٍ أكثر أماناً وهدوءاً، من رصاصات حماس، وملثميها الخاطفين، القاتلين…
في صورة تلفزيونية ظهر الزعيم الراحل ياسر عرفات يقبل رأس الأب الروحي لحماس”أحمد ياسين”، وفي صورة مماثلة ظهر القائد الحماسي الراحل “عبد العزيز الرنتيسي” يقبل رأس عرفات، كاعتراف بجميل الرجل، الذي رعى حماس، واحتضنها، وسرب لها الأسلحة بكل الطرق، وترك لها مساحةً واسعةً للتحرك في الداخل، مما مكنها من حصد المقاعد البرلمانية في أول انتخابات ديمقراطية حرة بعد رحيله. صور تقبيل الرؤوس انتهت، في عرف حماس، إذ ظهرت صورة الزعيم الراحل (عرفات) تحت أقدام مسلحو حماس في غزة، بعد هجوم حقير على منزله، وتدمير كل محتوياته.
إقالة الرئيس محمود عباس لحكومة الحماسي “إسماعيل هنية”، أفضى إلى تشكيل حكومة طوارئ برئاسة وزير المالية سلام فياض، كما أفضى إلى تمسك “هنية” بحكومته ذات الصبغة الوطنية. الأمريكان والأوروبيون وعدد من الدول العربية سارعوا إلى الاعتراف بحكومة “فياض”، وتقديم كامل المساعدات لها، وذاك أمر يضع حماس في مأزق حقيقي: من سيعترف بحكومة “هنية”، وماذا ستقدم لأكثر من (1.5) مليون مواطن في غزة، المدينة التي يأتي ماؤها وطاقتها وبضائعها من إسرائيل!؟

براءة
في عملنا الصحفي صادفنا رؤساء تحرير يحلو لهم حذف و”قصقصة” موادنا الصحفية، لكن لم نجد من يضيف إليها أيضاً، فتلك بدعة، براءة اختراعها تحسب لصحيفة “الميثاق”، التي حذفت خمس فقرات، وأضافت سادسة في مقالي المنشور في أخيرة عددها الاثنين الماضي، مع العلم أن الفقرة المضافة أساءت لكل يمني!!
أعلن براءتي، وأعترف لـ”الميثاق” بجدارة اختراعها!!
[email protected]