ثلاث ساعات في سنحان – أحمد القرشي

ثلاث ساعات في سنحان – أحمد القرشي

كم نظلم “سنحان”ونتجنى عليها! كم نحن غير منصفين لها في كثير من القضايا التي كان بعض أبنائها ضالعين فيها! قد يكون ظلمنا هذا نتاج جهلنا بظروف أبناء هذه المديرية من جهة، وتجاهلنا لحقهم علينا في الدفاع عنهم وتبني مطالبهم الإنسانية من جهة ثانية.
هل قدر لـ”سنحان”أن تحرم كغيرها من مناطق البلاد من الخدمات وفوق ذلك لا تحظى حتى بالتعاطف معها كمنطقة يمنية؟ لماذا الأن رئيس الجمهورية، الذي يتحمل تبعة الوضع السيء في البلاد، بحكم موقعه أحد أبنائها!؟
هذا الأسبوع كنت في جولة ميدانية مع منظمة اليونيسيف وعدد من الزميلات والزملاء لزيارة عرين الحكم, كانت هذه الزيارة الأولى في حياتي لمنطقة “سنحان” والحقيقة أن مصيبتي هانت؛ كنت قبلاً أعتقد بأننا، في تهامة، المحرومون وحدنا، وأن إهمال الدولة وتقصيرها منصب علينا فقط، وأن لو كان يحق لأحد الحديث بمناطقية لحق لأبناء تهامة ولكن وجدت حين زرت مديرية “سنحان” بأننا جزء من منظومة مهملة تتقدمها قرية الأخ الرئيس ذاتها.
ونحن في الطريق إلى “سنحان” سألت المشرف، عن أحوال الناس والبنية التحتية والمشاريع الخدمية. وكان يقول لي لا تسأل عن سوق وأنت داخله؟ وفعلاً دخلتها.
في قرية “مقولة”، المجاورة لقرية”بيت الأحمر” التي ينتمي إليها الأخ الرئيس، عشرات الأطفال ضحايا الكساح بسبب نسبة مادة “الفلورايد” المرتفعة جداً في مياه الشرب؛ وهي المادة المسببة لهشاشة ولين العظام وبالتالي الكساح والتكسر لأبسط الضربات، بحسب الخبراء. هؤلاء الأطفال لم يجدوا حتى الآن ما يخرجهم من المصيبة.
أكثر من 3000 مواطن في “مقولة” يشربون من بئرين سطحيتين فقط. ويعلم الله كم سيتحمل هذان البئران في ظل الهبوط السريع للمياه الجوفية؟
في “سنحان” ثلاثة مراكز صحية أنشأتها اليونيسيف بتمويل من أحد القروض منذ،مدة ومع ذلك لم يتم الاستفادة منهما، بحسب ما صرح به مدير صحة المديرية. أما الناس فيؤكدون بأنهم لا يتلقون أي عناية صحية في المديرية، ويضطرون لنقل مرضاهم إلى العاصمة مثل أصحاب تهامة وحضرموت ولحج وتعز وصعدة وحجة وكل اليمن تماماً، مع فارق المسافة فقط.
حاولت إحدى الزميلات تصوير ثلاث فتيات وامرأة عجوز كن يحملن دبات ماء على رؤوسهن من بئر سطحية، ولكن الحاجة العجوز نهرتها بشدة: “يا مصروعة لا تصوري. شوفوا على مصروعة!” وشرعت في تهديدات غير مفهومة دفاعاً عن شرف تتوهم أنه سينتقص رغم أنها مغطاة ولا يرى منها شيء وأن من ستصور امرأة. مشهد الدبات المثقلة لرؤوس النساء ذاته، رأيته في مناطق بعيدة جداً عن صنعاء, شهدته تقريباً في جميع قرى وادي مور بمديرية اللحية الساحلية, شهدته في منطقة “بكيل المير” النائية على الحدود مع السعودية، حيث يشرب الناس مع كلابهم وبهائمهم من غيل واحد, رأيته في مديرية عبس التي لا يجد الناس فيها ما يشربون. صور دبات الماء المحمولة على رؤوس أمهاتنا وأخواتنا في الريف موجودة أيضاً في “سنحان”, كنت كلما رأيت مشهد بؤس مماثلاً أقول:”مافيش حد أحسن من حد”. وأتذكر عناء أمي في حرض، وأولاد أخي الصغار.
حمامات مركز المديرية مغلقة. أحد الزملاء سأل الحارس: وين الحمامات؟ فرد عليه بهدوء المتعود جداً: ما بش. لم نجد في مسجد “مقولة” ماءً للوضوء. ومنعنا منظر دبات الماء على رؤوس النساء من طلب ماء للصلاة فآثرنا الرحيل لا فرق في ذلك بين مقولة وبيت الأحمر وبين وشحة وقارة وعبس والزهرة.
لماذا إذاً نظلم سنحان!؟ هل كانت جريمتها أن أغلب أبنائها من أكبر قيادات الجيش والأمن؟ هذا حقهم ولا يمكن لأحد أن يقول بأن ليس من حق مواطن أن يحصل على رتبة عسكرية أو مدنية؛ فقط لأنه من منطقة الرئيس/ ثم لن يستطيع أحد أن ينكر ما قد يكون أبناء هذه المنطقة وغيرها من المناطق قدموه للثورة والجمهورية.
أنا ضد الكتابة الساخرة من رئيس الجمهورية، وما زلت، لأنني أعتبرها نوعاً من الكتابة غير الوطنية؛ نظراً لأن أهداف أغلب من امتطوها ظهرت غير شريفة، وكانت فقط لمجرد نيل شهرة سريعة، أو للفت النظر إلى أصحابها في وقت قياسي كي يحظوا بمساومة ما تقفز بهم من الحفرة: كتابة ابتزاز وتسويق ذات بشكل حقير ومذل في النهاية. كما أنني ضد تمجيده بالشكل الذي يرد في الإعلام الرسمي.
ما أقوم به هنا هو الدفاع عن “سنحان”كمظلومين لا بواكي لهم, جريرتهم أن الرئيس منهم فقط.
أدركت خلال جولتنا تلك أن انحياز كثيرين ضد “سنحان”، والحكم عليهم كناهبي حكم ومستأثرين بالدولة وخيراتها ضرب، من المجازفة والرؤية غير المتبصرة وأنا على ثقة بأن أغلب من كتبوا عن “سنحان”كتبوا من تلقاء صور الرئيس فقط, يرون موكبه وخطاباته فيتصورون سنحان كلها “علي عبدالله صالح” مع أن الأمر ليس كذلك إلى حد كبير جداً.
أنا لا أدافع عن المخطئين من أبناء سنحان كقتلة الحامدي وجنود الشرطة العسكرية في عصر وغيرها من حوادث القتل ولكن أدعو إلى التعاطف مع أبناء سنحان وأطفال سنحان كمواطنين يمنيين يجب الدفاع عنهم، وتناول قضاياهم بحياد وإيجابية، بعيداً عن التعصب والحماقة.
لا أذكر أنني قرأت مادة صحفية تتحدث عن أبناء سنحان كمعاناة ولولا مطالبات المحافظ السابق لصنعاء عبدالواحد البخيتي، وشكاوى الأهالي أنفسهم لما سمعنا ربما بقصة “الفلورايد” التي أنهكت عظام مئات الأطفال في مديرية سنحان.
لو تعاملنا مع قضايا المواطنين اليمنيين من أبناء سنحان، كما نتعامل مع مدهوف في الضالع أو بلاغ من صحفي باحث عن شهرة سريعة، ولو ابتعدنا عن التعامل مع السنحانيين كخصوم مفترضين، لكانوا هم خير معين على تغيير الوضع العام للبلاد. والقصص من هذا النوع كثيرة كما أن تجاهلنا لقضاياهم وهمومهم من جهة، وتعاملنا مع أخطائهم بعدائية مفرطة حولتهم إلى متاريس مدافعة عن ذات تحس أنها مستهدفة وقد لا ترى الخطأ الذي يرتكبه فرد منها أو مجموعة كما ترى فداحة السكوت عن الهجوم عليها.
أنصح قادة المعارضة الذين لم يزوروا شارع هايل بزيارة سنحان وأنصح الزملاء الصحفيين وتحديداً من يفكرون باستهداف أبناء سنحان، بكتابة محرضة أو مستعدية، بزيارة منطقتهم. وأنا على يقين بأن زيارة واحدة كفيلة بتغيير الكثير.
[email protected]