رجال فتارين! – نادية الكوكباني

رجال فتارين! – نادية الكوكباني

بتتابع مدهش يلجون البوابة الدائرية لمقهى الفندق الفخم ذو النجوم الخمسة. بوابة متحركة لا تكلفهم حتى عناء مَسك مقبضها ودفعِه للأمام، يكفي أن تنتصب أجسادهم الخاملة أمام زجاجها لتنفتح!…
يقتعدون كراسي يعلوها طاولات -أيضا- دائرية، ملساء، يشغر مقعدها الآخر “فراغ عظيم” يهابونه لذلك ارتدوا لأجله بدل بكرافات أنيقة… لا تفسد أبدا خطوات النادل متنقلا بين الطاولات دغدغة الموسيقى الرومانسية لأرجاء الصالة الانيقة المكيفة.
صدفة (عجيبة ربما!) ولمرات عدة ترتفع أياديهم لتقابل حلوقهم ومن ثم ترتشف شفاههم القهوة في ذات اللحظة. ينفخون دخان سجائرهم بأوووف تستلذ ارتطامه في الفراغ المقابل، قبل أن يعلو رؤوسهم مكونا أشكال هلامية تتلاشى في أرجاء المكان، تخترق أعطافه، تستقر في أحشاءه، هاربة من أنوف عفنة قد تعيدها لجوفها من جديد.
تخترق نظراتهم الحائط الزجاجي الذي يفصلهم عن الخارج، عن النبض الذي يحكمون عليه قبضتهم، يخنقونه في مهده حتى لا يجاهر بوجوده خارجا ويباهي برقصه في كل اتجاه!… فوق، تحت… شمال، يمين… أمام، وسط، خلف…
 يحدقون فيه ببلاهة عارمة، هذا الذي يمشي على ثلاث متكئا على سني عمره، ينثر ابتسامته حوله، تحط على رؤوس الصغار مداعبة، قبل أن يتملصوا بدلال منها، قهقهة تهز الرصيف! الرصيف الذي طأطأ مربعاته لاحتضان أقدام تتوالى عليه دون هوادة.
 وهذان يحطان على أربع، ملتصقين لا وسط لهما، هي وهو، كحلم يتبدى لهما حياة، رحيقها سعادة آتية.
هذه صغيرة، تحط على واحدة، بزهو تتخطى مربعاته الرصيف، تداعبه، الأبيض “ايوه” “الأسود” لا!… تقف فجأة، تتأملهم، يحرضون فضولها، القابعون خلف الحائط الزجاجي تتساءل هل ما تراه “تماثيل فتارين” متقنة الصنع أم حقيقة ألقاها الزمن خلف ظهره ومضى قُدما!!!… تثني شفتيها للأسفل متعجبة “أمممم” ترفع كتفيها للأعلى “أنا مالي”… تواصل، الأبيض “ايوه” الأسود “لا”!…
أثار فضولهم هذا الذي تتسارع خطواته خلفها يردد كلاما لا يصلهم صهيله (مشيتك تجنن، قوامك يهبل، كلمة واحدة يا جميل، واحدة بس، طيب كلمة ولو جبر خاطر!…) تجاوز خلفها رصيف الحائط الزجاجي…
اشرأبت أعناقهم، امتدت أصابعهم المرتعشة لتزيح الزجاج، وعبثا حاولت أعينهم نهش أحداث آخر الرصيف، ل هذا وتلك وهذان وأولئك!!!…  تراودهم فكرة النهوض من الكراسي لتحقيق غايتهم، ويخشون أن تنكشف مؤخراتهم النتنة للنادل الذي للتو سيبدل فناجينهم!!!…