إصلاح التعليم الجامعي في اليمن.. ضرورة وطنية – د. جميل عون

إصلاح التعليم الجامعي في اليمن.. ضرورة وطنية – د. جميل عون

بداية أحب التنويه إلى أننا بهذه العجالة لا نستطيع التطرق إلى واقع التعليم الجامعي بكل جوانبه وطرق ووسائل إصلاحه. ولكننا سنحاول فتح قضية التعليم، والتعليم الجامعي على وجه الخصوص، للنقاش؛ كونها قضية وطنية ملحة وتحتاج إلى تضافر الجهود من كافة المفكرين والمهتمين والوطنيين عامة لطرح حلول لمحنة التعليم الجامعي في اليمن.
تعد الجامعات جزءاً من البنيان الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، وتلعب دوراً ريادياً في العملية العلمية والثقافية والتنموية في المجتمع من خلال وظائفها المتعدده والمتمثلة في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. التعليم كوظيفة تسهم في تنمية الأفراد (تنمية الموارد البشرية، ونشر الثقافة والمعرفة) ويلعب دوراً مهماً في تقدم وتطور المعارف العلمية. كما أن وظيفة الجامعة في خدمة المجتمع تعد أهم الوظائف التي تؤديها من خلال انفتاح الجامعات على المجتمع، والتفاعل معه من خلال البرامج، بالأنشطة المتعددة وتقديم الإستشارات لمختلف المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية، وتقديم الرؤى النقدية التحليلية لمختلف قضايا المجتمع… الخ.
يثبت واقع الحال في اليمن الازدياد الكمي والتوسع في إنشاء جامعات حكومية وخاصة، بلغ عددها الآن أكثر من 15 جامعة، لتلبي طلب المجتمع في الحاجة إلى التعليم الجامعي، واستيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الثانوية العامة.. وتستوقفنا هنا مشكله أساسية: هل هذا التوسع الكمي في إنشاء الجامعات يتناسب مع متطلبات العصر (القرن الواحد والعشرين) من حيث الحاجات إلى التخصصات المطلوبة، فضلاً عن خلق مجتمع المعرفة بركائزه الأساسية؟
فضلاً عن إن واقع التعليم في اليمن (البلدان العربية عموماً) يعاني من التدني والتخلف معاً، وهذا ما أشار اليه تقرير التنمية البشرية لعام 2003م. وأمام هذا التدني تبرز الدعوة إلى إصلاح التعليم الجامعي والتعليم العام برمته، خصوصاً في الظروف والمتغيرات الدولية الجديدة، بحيث يواكب ويتسق مع التطورات العلمية والتعليمية العالمية، بما يخدم احتياجات المجتمع. فكما يرى “قسطنطين زريق” المطلوب جامعة من المجمتع وإلى المجتمع لا تفرق في مهمتها التثقيفية والعلمية بالمعنى الضيق، بل توسع أمامها وتعينها بمدد فكري شامل بمضامين حياتية لها.
إن الوقوف سريعاً أمام واقع التعليم الجامعي، تبرز لنا بشكل جلي: غياب فلسفة تعليمية واضحة، ضعف المناهج ومرافق التدريب، وعدم الالتزام بالمعايير الاكاديمية في تعيين الأساتذة والاداريين والترقيات، واعتماد المحاباة والواسطة والنفعية الضيقة، مما يحول الجامعات إلى مرفق هامشي في المجتمع لا دور له إلا “تفريخ” حاملي الشهادات.
كما وعدم ترشيد الإنفاق المالي الملاحظ، وخصوصاً مع فتح الأنظمة التعليمية الجديدة: النظام الموازي والتعليم عن بعد، وابتعاد الصدق والإتفاق عن الوجهة الصحيحة التي تستوجبها المتطلبات الأكاديمية (ما يعرف بفوضى الإنفاق). على سبيل المثال ما يخصص للبحث العلمي والمراكز البحثية يكاد لا يذكر في الميزانية العامة وعدم استحداث الوسائل التكنولوجية الحديثة في التعليم… الخ.
علاوة على وضع عضو هيئة التدريس وكفاءة وجودة التعليم ووضع الطالب وظروفه وقساوة الحياة المعيشية أن تسيس الوظيفة الجامعية تحت تأثير الهاجس الأمني الذي يعاني منه النظام السياسي للرد على الصراع السياسي والسيطرة الحزبية داخل صرح الجامعات.
كما أن عزلة الجامعة عن بيئتها ومحيطها وعدم فهم وادراك المجتمع لدورالجامعة كعقل وضمير للمجتمع والامة، وغير ذلك، من تجليات محنة التعليم الجامعي.
إن الخطوة الأولى نحو إصلاح التعليم الجامعي تتمثل -في رأينا- بمنح الجامعات مزيداً من الحريات الأكاديمية والإستقلالية المالية والإدارية والأكاديمية، وتحويل الجامعات إلى شخصيات ومؤسسات قانونية تدير أمورها بنفسها، وتوفير العوامل والمناخات المناسبة لتمكنها من حرية التفكير والعمل بحرية ودون قيود من أجل إيجاد مجتمع المعرفة. “أنتم تربون أولادكم لزمن غير زمانكم “.