حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

كيف يمكن تكييف عبارة كهذه: “أنا أعيش في ظل الدستور” حينما تقال على لسان مواطن يمني؟! حتما سيتبادر إلى ذهن أي حصيف الاستطراد التالي: أي دستور يقصد به؟ دستور دولة الوحدة، الدستور الذي استُفتي عليه، أم الدستور المعدل عدة مرات، أم الدستور المنظور للتعديل الآن، أم الدستور الذي سيبدو بعد تعديله، وربما الدستور المنوي تعديله مستقبلا، أو قد يكون الدستور المفكر فيه بالتعديل قبل الأخير؟ وهذا الأخير مطاط في عهدة الأنظمة التي لا تحترم الرأسمال الاعتباري لبلدانها وشعوبها. وحينما أستظل كمواطن/ة تحت سقف مادة دستورية تحميني وتلبي حقوقي في حياة كريمة، ومواطنة لا خلل فيها، كيف يمكنني أن أركن إلى أنها أحقية لا يمكن انتزاعها مني، وأنني لن أصحو في اليوم التالي وقد غُيِّرت، وأنها تستمد ديمومتها وثباتها من ثبات قيمتها الاعتبارية كمنجز وطني لا يتبدل ولا يخبو بظروف المرحلة السياسية وأمزجة الحكم والحكام…؟
إن دستور الجمهورية اليمنية دستور جامد غير مرن، وبالتالي لا يحق تغيير مواده وتعديلها إلا باستفتاء شعبي وفي ظروف استثنائية ملحة وقاهرة تحتم هذا التغيير، وليس بتوجيهات رئاسية، وإن بدت تتوسل المناقشة والحوار، وتضمره كتعليمات واقعة لا بد أن يستتبعها التنفيذ. وما دعوة بعض النخب لمناقشة التعديلات سوى سابقة تستدعي الظن بالبحث عن غطاء شرعي لتمرير وإقرار هذه التعديلات. لذا على هذه النخب اغتنام هذه اللفتة الرئاسية الشوروية لإثبات مواقعها الحقيقة ومصداقية تطلعاتها واصطفافها جوار قضايا الشعب والوطن، وتوخيها إظهار مواقف واضحة تدحض تهم المراوحة والتدليس التي علقت بهذه النخب، وتبنى إجماعا وطنيا يرفض التعديلات في الدستور جملة وتفصيلا.
وعطفا على السياق، فإن الدستور يتجلى كإحدى ركائز وثوابت دولة الوحدة، وما حدث ويحدث من مساس به يعد مساسا بثوابت الوحدة ودعائم حمايتها واستمرارها، والدستور في استطراداته القصوى منجز وحدوي أنجز من قبل طرفي الوحدة ليمثل قاعدة البناء الوحدوي العام، وبالتالي لا يحق لطرف واحد التصرف في هذا البنيان بالتغيير والهدم، مما يعد هدما لركائز حضورها (الوحدة) النظامي والاعتباري.
يحلينا ما سبق إلى مقارنة كارثية التداعي السياسي والاهتراء الدستوري في بلادنا، نظير الازدهاء الوطني والدستوري في بلاد كتركيا، قد تقودنا بعض المشتركات معه على خط أفقي لنفترق في العمق الرأسي للمنظومة السياسية وإدارة الحكم. ففي حدث قريب تناولت الأخبار ووكالات الأنباء الحُكْم الذي أصدرته المحكمة التركية بحل وإيقاف نشاط الحزب الحاكم في تركيا (حزب العدالة والتنمية) لتجاوزه الدستور وإصداره قوانين وتوجيهات تخالف المواد الدستورية، مما اعتبر تقويضا للدعائم التي قام عليها الحكم الحديث في تركيا وانتقاصا من مكانة وهيبة التاريخ الاعتباري الرمزي للنهضة التركية. وهي دالة تفضي بنا إلى موضوع ارتباطي يعين الرسوخ والمكانة التي يحتلها القضاء لديهم. وفي دالة استطرادية أخرى تقف بنا على الأبعاد الديمقراطية والمؤسسية التي وصل لها العنوان السياسي في تركيا، وهي هنا تعين كمثال ساقته المقارنة التي تفضح مراراتنا وعناوين واقعنا السياسي الزائف والمتداعي.
الدساتير في كل بلاد الدنيا منظومة مؤسسية عقدية تحمل في بنيانها ركائز حمايتها، وتتكاتف كل مؤسسات العقد الاجتماعي لعدم المساس بها وصيانتها كمخزن إسعافي لا ينضب، يقرر شرعية الأطر العامة والقوانين السارية للدولة، ورأسمال رمزي استراتيجي، ولا يمكن التعاطي معها بهذه الخفة والاستهتار كما يجري في جمهورية اليمن التعيس… وحديثنا ممتد.
[email protected]