الهنود أكثر إخلاصاً منا لهذا الوطن – يحيى سعيد السادة

الهنود أكثر إخلاصاً منا لهذا الوطن – يحيى سعيد السادة

في عام 1987م أنجزت الشركة الهندية لأعمال الطرق والجسور طريق: إب -العدين، بعد انسحاب كثير من الشركات التي رأت في المشروع تحدياً كبيراً ومخاطرة غير محمودة العواقب نظراً لوقوع جبل مشورة الصخري في منتصف الطريق والذي يشكل عائقاً أمام تحقيق أي ربح ما لم تكن الخسارة هي النتيجة الحتمية. وهو ما تحقق بالفعل إذ انتهى نجاح المشروع بنهاية الشركة الهندية التي اضطرت في الأخير إلى بيع معداتها في سبيل الوفاء بالتزاماتها؛ حيث خسرت تماماً في الجانب المادي بينما حققت ربحاً في الجانب الأخلاقي، تمثل في قدرتها على حفر هويتها في ذاكرة ووجدان كل الناس المتابعين لتلك الأعمال، بل وفي كل صخرة من صخور ذاك الجبل، وفي كل منحنى من منحنياته. حضور هذه الشركة يتجسد كل يوم رغم رحيلها منذ عشرين عاماً، كان أقوى هذا الحضور يوم الثلاثاء 29/5/2007م عندما سخرت سيول عصر ذاك اليوم من الطرق المسفلتة حديثاً والتي أعدت على طريقة الوجبات السريعة، حيث لفتها كما يلف السجاد دون التعرض للإسفلت القديم بأي أذى، كون تلك المياه تدرك، كما نحن مدى صلابة هذا العمل المستمد من صلابة الهنود وصحوة ضمائرهم رغم انتمائهم لأرض تبعد عن هذا المشروع بآلاف الأميال. فأيا كانت الذرائع والمبررات التي ستساق فإن عامل الاطمئنان لردة فعل الجهات المسؤولة هو الباعث الأساسي للسلوك المستهتر ولحالات اللامبالاة التي نلمسها في تصرفات من تقع عليهم مسؤولية هذه الأضرار؛ إذ لم نسمع يوماً أن وزيراً أقيل لمسؤوليته عن التقصير أو الإهمال في عمله. كما لم نسمع «بعابث أو مرتش أو متواطئ قدم للعدالة ليكون عبرة لمن يفكر بسلوك الطريق الخاطئ المتوقع. وكما جرت العادة تحميل العوامل الطبيعية مسؤولية هذه الأضرار على أن يتم إعادة بناء ما أفسدته الأمطار على نفقة الدولة إذا لم تكن بمبالغ مضاعفة كون جهات رسمية ضالعة في هذه الأعمال العبثية.
فمهما امتد غضبنا أو طال حزننا على الأموال التي مرغت في وحل الأمطار فإننا في الأخير لن نجد بشراء وراء القضبان؛ بدليل استمرار المسؤولين عن هذه الكوارث في كراسيهم إذ تقع المسؤولية المباشرة على من منحوا المناقصات وأشرفوا مباشرة على التنفيذ من خلال المتابعة عن كثب بعد أن وفرت لهم الدولة الفلل المناسبة والآثاث الفخم الذي كلف الدولة الملايين وتبخر هو الآخر في وقت متزامن لتبخر تلك المشاريع فهمها بدا الاطمئنان على السلطة المحلية على اعتبار أن المسؤولية تقع على وزارة الاشغال المناطق بها تلك المشاريع تخطيطا وتمويلاً وإشرافاً إلا أن حالة الإطمئنان تلك لم تدم طويلاً نتيجة أمطار هذا الصيف التي تنبئ بأضرار وكوارث لا سيما في مناطق التجمعات السكانية المتاخمة لممرات السيول والذي لم يعرها مكتب الإنشاءات أي اهتمام، أقلها إنشاء عبارات تتناسب وحجم المياه المتدفقة، مع ضرورة صيانة تلك العبارات بصورة مستمرة من خلال رفع المخلفات منها. إذ فوجئ الناس بحي شعب المنيل، القريب من مبنى المحافظة ومن سكن الأخ الأمين العام بعشرات الأمتار فقط، بتدفق مياه الأمطار إلى منازلهم بعد ظهيرة يوم الأربعاء 6/6/2007م؛ الأمر الذي أحدث هلعاً بين سكان ذلك الحي أضطرهم للخروج إلى العراء ليظلوا على هذه الحالة حتى منتصف تلك الليلة، لم يجدوا منجدا أو معيناً لهم في محنتهم، الأمر الذي دفع بالكثير إلى طرح أكثر من سؤال: ماذا لو حلت بالبلد كوارث كالتي نشاهدها في دول أخرى؟ وما هي استعدادات الدولة لمواجهة مثل هذه النكبات؟ هل تتوفر اعتمادات لدى السلطة المحلية تحت بند الطوارئ لمواجهة مثل هذه الكوارث الجزئية؟ أسئلة كثيرة بواعثها السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة والتي فضحت زيف الإنجازات وكشفت المستور في أكثر من مكان.
هذه الظواهر المخيفة في سلوك بعض المسؤولين والمقاولين وسماسرة الإنجازات الوهمية والتي لاتنسجم مع أخلاقياتنا تقودنا حتماً إلى ظاهرة محاسبة الذات المتجسدة في أخلاقيات وسلوك الإنسان الياباني. فمن منا لم يسمع بخبر إنتحار وزير الزراعة الياباني في يوم 27/5/2007م، عندما شنق نفسه وسط طوكيو وعلى مقربة من مبنى البرلمان. لا لشيء إلا لكونه تخطى قليلاً النفقات الإدارية في وزارته. أمر طبيعي أن يقدم هذا الوزير على الموت كونه مبرمجاً كما هو غيره من أبناء جلدته على الثناء والتكريم لا على اللوم والتوبيخ، فكم هي التجاوزات التي تحدث يومياً في وزاراتنا وفي مؤسساتنا؟ وكم هي الأموال التي تهدر وتنهب يومياً!؟ وكم هي القوانين التي تنتهك؟ هل سمعنا أن واحداً من وزرائنا فكر يوماً بالانتخار؟ أو حتى بقطع إصبع من أصابع يديه. هل يخطر ببال أحد من هؤلاء أن يقدم استقالته مصحوبة بإطلاق قطيع السيارات من زريبته لتعود إلى حظيرة الدولة والإقرار بما تم نهبه ليودع في خزينة المال العام؟
هل سنفاجأ يوماً بصحوة ضمير مسؤول تقوده هذه الصحوة إلى نيابة الأموال العامة؟ إن الشعور بالذنب ومن ثم تأنيب الذات لا يتأتى إلا من مسؤول يرى في وطنه على أنه قبلته ومحرابه. فشتان بين هذه الرؤية وبين من ينظر إلى الوطن على أنه مجرد فريسة لا أكثر…!!