بيننا وبين أحمد زين (قهوة أمريكية).. لغة تهادن طيش الرؤية وتفكك مغاليق قهرنا – عبدالحفيظ الشمري

بيننا وبين أحمد زين (قهوة أمريكية).. لغة تهادن طيش الرؤية وتفكك مغاليق قهرنا – عبدالحفيظ الشمري

بلغة هادئة، وبخيال محدود، وبواقعية تركتها الذاكرة على رصيف أحداث صارت.. نجلس من (الراوي) الذي يحمل البطل (عارف) في رواية (قهوة أمريكية) للراوئي أحمد زين، بحملة مسغبة الإجابة المكرورة عن سؤال: من أنت؟.. إذ لا تقف الإجابة مهادنة رغم صمتها، ولا يفر السؤال نحو هامش حري باستجماع شجاعة ما لتجعله سؤالا يحمل في طياته الإجابة (من أنت؟!).
سؤال يتكرر في هذه الرواية المتميزة، والهادئة رغم سخونة سياطها، وشراسة معانيها.. لاسيما حينما نوقظ في ذهن (غالب) ومن شاكله من الباحثين بصيص أمل في أعماق النفق المظلم.. (من أنت؟!) لتطلب المال، من تكون لتعبث بأمن البلاد؟!.. ولمصلحة من حينما توغر صدور الناس على الغيبوبة؟
أحداث رواية (قهوة أمريكية) تمنح بطلها (عارف) شهادة عصرية، تميزه عن غيره من أبطال روايات العالم العربي.. ذلك (الرجل) الذي ينهض من أنقاض الكلمات ليبحث له عن وجود بين البشر الذين قرأوا الفاتحة على روحه مراراً.. فها هو اليوم ينهض في (الرواية) محاولاً الحديث من جديد عن رحلة غضبه المستديمة من سؤال لا يكل.. (من أنت؟!)..
ثقل التاريخ قد يكون نبذة مختصرة عن سيرة ذاتية لمدينة تدور فيها الأحداث، ولا تغادرها الأحزان.. لا يلبث الراوي أن يهيل عليها فواجع إضافية حينما تقتص من كل من يحاول الإفاقة من غيبوبة تهرع في الناس إلى أقصى درجات الحياد، لكن هناك من يناجزها نقداً بنقد، ليندد خارج السياق الرسمي، بل نراه غالباً وقد ركب موجة الوعي الشقي، وعكس في ثنايا امتعاضه صورة حقيقية وحية للثوار والمناضلين في كل أنحاء العالم.. هؤلاء الذين تقول عنهم رواية (قهوة أمريكية) إنهم يعبرون أبواب الحقيقة بلا مقدمات، لكنهم مع كل رزية جديدة يداومون كشف الحقيقة.. لكنها مطالبة لا تلبث إلا وتأخذ وجهين؛ الأول يتمثل في فجاجة مفرطة لنقد لاذع، وأخرى تلوذ في نقاش يفتعل فيه الهدوء، على نحو ما تجاذبته فتحية، وعائشة وعالية.. بل وسانيا، وكاترين وجمعيهن يشاطرن (غالب) تخصصه في المجلس الثقافي البريطاني.
يضيء الراوي للقارئ وجها آخر لحياة (عارف) في قلب العاصمة (صنعاء) حينما أضحى في يوم عاطلاً متفرجاً على عالم السوق الذي يتلوى تحت أقدامه آناً.. مأزوماً لهول منغصات يومية هائلة يبدع الكاتب (زين) في اقتناصها على لسان راويه الذي لا يوارب الحكايات إنما تخرج حادة نصل، أو داكنة كآثار لطمة عنيفة أو كجئير بالشكوى من مآل أحلام البسطاء.
(عارف) يذكي نار النقد لمن ساق الكثير من الأوهام باسم الأحلام الممكنة، حيث يعتصر الحزن قلوب أهل مدينته التي تسجل تراجعاً حاداً في الكثير من الجوانب المعنوية والمادية؛ إذ يصبح الراوي أميناً حد الفجيعة في نقل بعض متناقضات مدينته.
يوسع أحمد زين خصوصية مسارب سرده؛ إذ تعبر فجاج حزنه الداخلي إلى حزن أعم يذكرنا فيها دائماً بأن هناك من بيننا مَن يتظاهر بالوداعة والعادية إلا أنه مراوغ ماكر، ينهل من سخام الفوقية، ويدعي البحث عن رزق محدود وهو الذي يتجشأ تخمة، ليورد في هذا السياق الحكاية تلو الأخرى عن تناقضات شارع حياتنا الذي أصبح على نحو ما ذكره يشبه حكام بني إسرائيل قبل.. إذا سرق كبيرهم تركوه، وإذا سرق صغيرهم عاقبوه..!! (الرواية ص54).. ولإسرائيل وما جاورها صور كثيرة حول هذا المضمون تجرأ الراوي على لسان (غالب) ليهجس فيها. لا يلبث (عارف) أن يسير في اتجاه المعارض للواقع الذي يصوغ عالمه على نحو مقزز أحياناً، وأشد ما يؤزمه ويسد عليه منافذ تفكيره هي تلك الارتكاسات المؤلمة لأحلامه البسيطة حينما يفاجئه الواقع بأحزان جديدة، ومنغصات إضافية تزيد أحزاننا حزناً عصياً، فالراوي للأحداث يأخذ على عاتقه مهمة البوح اللاعج لفرط ما تتزاحم الصور التي تنهل من معين حكاية عربية أليمة وشاقة.
يلون (عارف) حياته بهواجس محتملة تجاوز في لوعتها وحزنها ما بات يعرف بالحزن العام للناس حيث بات عالماً جديداً.. يحسن بمن يريد الدخول فيه أن يكون محنكاً بما يكفي لتنفذ حكايته نحو أبعاد حية ويقظة، لا أن تكون مجرد هذر يعقبه صمت كصمت القبور وذاك ما يزيد الأمر حزناً حينما يجهد الراوي في (قهوة أمريكية) أن يكون أميناً وحيادياً في نقل هذه الصور المتناقضة لحياة (عارف) ومن حوله من مجتمع بات لا يدرك حقيقة الحكاية، وأبعاد القضية التي تزداد خيوط حلكتها تفتلاً فلم يعد لك بعد هذه الرواية أن تميز بين واقع يتداخل في الخيال، وبين حقيقة تلوذ بخباء ادعاء مظلل لتختلط الأمور، ويصبح الأمر ملتبسا تشم فيه رائحة قهوة أمريكية تعد بعناية أو برعونة لجماهير تتعشق الحزن كعطر فاخر.

< عن ملحق «الجزيرة الثقافي»