طق…. طق – منى صفوان

طق…. طق – منى صفوان

في رمضان تقل قراءة الصحف، وتسجل أكبر نسبة لمشاهدة القنوات المحلية، ويقل الاهتمام بالسياسة.
تخفت توترات، ومناكفة الأحزاب.
يأخذ القضاء إجازة، وكثير من موظفي الدولة، وتصفد الشياطين.
تنشط الأسواق، المسلسلات، الإعلانات، حلقات الذكر، الفتاوى، وحوادث السرقة.
تبتكر أساليب جديدة للتسول، أكثر من التي تستخدمها الكاميرا الخفية.
رمضان، يتبارك به عدد من المقدمين على الزواج لعقد قرانهم.
وبعضهم يكون صيامهم سببا في طلاقهم.
يفوز كثير من المشاهدين بالريالات السعودية في برامج المسابقات (أغلبهم سعوديون).
تتغير رنة بعض الهواتف إلى نشيد إسلامي. ويطلق الكثير لحاهم.
ويضج الليل ويخمد النهار…
طيب! أيش الجديد!!؟
الجديد أن الأذان هذه المرة يرفع من “جامع الصالح”.
سلام
[email protected]
 
 
***

الرهان الخاسر
 

“تأثير الخطاب البصري السمعي ليس هينا”. هناك اليوم مؤثرون أقوياء يوظفون هذه العبارة جيدا؛ جيدا بما يكفي ليرضي المكتشفين الجدد لها، الذين يكسبون هذه المرة برهانهم على السينما.
إنه الفيلم اليمني السينمائي الذي يحارب التطرف والجماعات الدينية. إنها الحرب الحكومية الجديدة على الخصوم ذوي التواجد المستفز، المخترقين والمتغلغلين، الذين يقول الفيلم إنه يمكن اختراقهم، لجعل رهانهم خاسرا.
طبعا لم أشاهد الفيلم، الذي شوهد في عرض خاص، بقاعة فندق فخمة لغمت بقوى الأمن والداخلية والدفاع، تخللها تواجد بعض العناصر المدنية. العناصر الأمنية مُثلت بأعلى مستوياتها، نعم، وقيل أيضا إن أحدا لم يتغيب.
العرض السينمائي/ الأمني كان مهمًّا ليرى قادة المعسكرات الصورة التي ظهرت بها فرقهم أثناء المشاهد العسكرية للقطات الإنزال والاقتحام وإطلاق الرصاص. تلك المشاهد العنيفة الحرفية، كانت بدعم قوات أمنية خاصة وذات مستوى تدريب عال.
تقريبا أنا شاهدت الفيلم، فليس مهما في اليمن أن تحضر فيلما لتراه، فالاعتماد على الحضور الشفهي ليس سيئا. صديقتي التي أحتفظ بها لمثل هذه المواقف، كانت هناك، فالفيلم على مستوى فني عال (هذا ليس انطباعي، ولكن يمكن تبنيه).
الفيلم كل لقطة فيه موظفة بشكل صحيح. الفيلم لا توجد به لقطات زائدة عن الحاجة. الفيلم مؤثر. الفيلم صادق وصادم، ويجعلك في لحظات انتظار لما يمكن حدوثه. أداء نبيل حزام مقنع. أداء عبدالكريم الاشموري ملفت، وكأنه يقوم بدور شخص ما!! فريق الفيلم كان متسقا، والتوظيف للوقت حرفيا، والمخرج وظف الكاميرا بشكل آسر (كل ما سبق هو لصديقتي).
ما هو لي هو الآتي: ما أهمية هذا الفيلم؟ لماذا هذا الموضوع تحديدا؟ ولماذا لم أشاهده؟
كل من لم يكونوا في قاعة الموفنبيك ذاك المساء لم يشاهدوه. قناة إخبارية الأسبوع الماضي عرضت تقريرا عن الفيلم فيه لقطات منه، وهناك إعلان لملصق الفيلم بأحد الشوارع المؤدية لذاك الفندق. كل هذا أكد ما قيل بأن هناك فعلا فيلما سينمائيا.
إذاً، وما دام الأمر حقيقة فليكن هناك مقال نقدي لهذا الفيلم، فالمقالات النقدية هي من طقوس السينما، التي لا بد من الحفاظ عليها. ولأني لم أشاهده، فسأنتقده وكأنني شاهدته.
لنبدأ أولا بجهة إنتاج الفيلم. معلومة حول جهة الإنتاج ستقول الكثير عن أهداف الفيلم وعن رسالته وعن النوايا والدوافع، التي ليس من بنودها الأولى صناعة السينما في اليمن. الإنتاج حكومي. وبعبارة أكثر دقة “هو فيلم من إنتاج السلطة”.
جميل إذاً، لدينا فيلم سينمائي لا يعرض على العامة ومن إنتاج السلطة، ماذا أيضا؟
الفيلم يحارب الجماعات الدينية المتطرفة. إذاً هل يتم هذا وفق معايير علمية دقيقة؟ لأن هذا الموضوع الحساس أثبتت الدراما العربية (المصرية خصوصا) أنه عند التطرق له دون عمق يُحدث هذا أثرا معاكسا، فعدد من الأفلام المصرية التي أنتجت بهدف محاربة الإرهاب كانت سببا لزيادة تدفق الشباب المصري على تلك الجماعات، فقد نجحت بإثارة حفيظة الشباب.
لحسن الحظ حتى الآن لم يعرض الفيلم على الشباب اليمني؛ لا ردود فعل يمكن قياسها، لكن توقع ما يمكن حدوثه لن يكون مفيدا في مقال نقدي سينمائي كهذا، يود أن يخاطب الذائقة السينمائية.
أعتقد أنني قلت “الذائقة السينمائية”! والتي أقصد بها طبعا ذائقة الجمهور اليمني، جمهور السينما اليمنية طبعا! هل أضيف أنه لا توجد سوق سينمائية يمنية، وأكون حصيفة وصادمة في الوقت ذاته لأقول إنه لا توجد سينما يمنية أصلا؟ لا أعلم! أعتقد أنني لن أستخدم هذه العبارة، فهي قاسية في مقال نقدي يود الرفع من الروح المعنوية السينمائية، ويوجه تحية إعجاب لطاقم الفيلم الذي برغم كل الظروف ما زال مركزا على فكرته المهنية.
الحقيقة الفجة التي لا يمكن مغازلتها هي أن الفيلم لم يعرض، فلا مكان لعرضه في المدن اليمنية. وللإنصاف فصحيفة “26 سبتمبر”، وهي صحيفة القوات المسلحة والدفاع والجيش (وهذه المعلومة لم توضع حشوا) اهتمت بالفيلم أكثر من غيرها، وهي التي أعلنت أن شباب الجامعة على موعد مع الفيلم بعد رمضان. الفيلم سيذهب لجزء من الجمهور، سيعرض مجانا، فهو لا يخضع لمتطلبات السوق السينمائية وشباك تذاكر، وما دام الفيلم لا يخضع لمتطلبات السوق، ولا يعول على الإيرادات، لأن الأرباح التي يطمح لها المنتجون “ليست مادية”، فإن هذا يفجر سؤالا: هل حدث في تاريخ السينما أن أنتج فيلم دون حساب للمردود؟ الإجابة ليست مهمة، ما المهم في تدقيق الحسابات؟! لفيلم ذو أهداف استراتيجية، مرتديا للميري، ويوظف عبارة “الفن يوظف بالطريقة الملائمة”. لكن ما هي الأهداف الأصلية لمنتج الفيلم؟
الأهداف، من الواضح أنها ليست مسألة فلوس، الهدف الأكثر سموا (لـ”الرهان الخاسر”) هو هدف وطني نبيل وشريف (“نبيلـ” هو أحد أبطال الفيلم، أما “شريف” فلا نعرفه. يمكن أن تضيف “وسامي” لأقول لك إن سامي هو رئيس تحرير هذه الصحيفة). المهم نبقى في هدف المنتجين، الذي يظهر من مشاهد الفيلم. إنه يعزز من القوة القتالية والمقاومة لدى المجتمع؛ مقاومة الخارجين على القانون، الذين يهددون الاستقرار والاقتصاد والأمن. هدف مكمل لدور المؤسسة الرسمية (الجناح العسكري).
أما مشاهد الفيلم، فمن الوصف تبيّن أن عين المخرج كانت دقيقة بالتقاط كل التفاصيل التي تربط الإرهاب بالظواهر الاجتماعية والاقتصادية، وتوظيفها السينمائي كان موفقا، لإيضاح أن الأمر لا يهم السلطة وحدها، بل المجتمع أيضا. لكن الفيلم، ذا الهدف المجتمعي، لم يعرض على المجتمع.
إذا لا بد من حل إشكالية عدم وصول الفيلم للجمهور. فوجود فيلم لا يعترف بسياسة شباك التذاكر، لا يجد مكانا ملائما يقابل فيه محبيه، يوفر شروط عرضه تلفزيونيا، وتسويقه فضائيا.
هذا لـ”الرهان الخاسر” مهم، حتى لا ينضم للذاكرة السمعية لجمهور السينما اليمنية، الذي يحتفظ بأسماء أفلام سمع عنها أو التقطها بأقراص مضغوطة. الفيلم لا يحتاج أن يخسر كل ذاك الإتقان والإبداع ليبدو أن اسمه نحس عليه.
انضمامه للذاكرة السمعية يهبط من إنجاح هدفه الاستراتيجي، فهو ليس كفيلم بدر الحرسي “يوم جديد في صنعاء”، فذاك تمويله خارجي وكان للعرض الخارجي، ولا أهداف استراتيجية له، هذا كاف لعدم عرضه على الشاشة الحكومية. لكن “الرهان…” حكومي. ومن المشروع عرضه على الوسيلة الحكومية، غير أن حدوث هذا لن يعني أن لدينا فيلما سينمائيا، فالسينما لا تعرض تلفزيونيا، ليس قبل مرور عامين على الأقل!
حتى الآن يتحدث المقال عن الفيلم كحدث سينمائي في بيئة سينمائية، برغم أنه لا سينما دون جمهور يذهب إليها، لا سينما دون قاعات عرض، لا سينما دون معدات سينمائية، لا سينما دون إنتاج حر، لا سينما دون نقد، لا سينما دون حرية… لا سينما دون سينما. إن كان يوسف شاهين قد عاش لهذه اللحظة، فربما يقولها هذه المرة وبحرقة: “إيه الهبل ده!؟”. هذا ما قد يصيب فيلم تضع الحكومة يدها عليه (ربما هي لا تضع فقط يدها عليه!).
أشك أن المقال قد بدأ بالتحول لنقد سياسي! أذكر مرة أخرى أن هذا مقال نقدي سينمائي، يلفت إلى أنه لا بد من أن يشاهد الناس هذه السينما، حتى لو على صفحات الجرائد، حتى لا ينتقد فيلما لم يره أحد، لجمهور لم يسمع عنه!! فكرة الجرائد هذه ستفي بالغرض. يمكن للصحفيين وصف الفيلم حال حصولهم على نسخة، هذه سابقة سينمائية. ومازال المقال معترفا بأن هذا فيلم سينمائي، وأن السلطة أنتجت سينما. فإن كانت تلك سينما، فإن هذا بجدارة هو مقال نقدي سينمائي، ومن المستوى المهني الرفيع.