الكذبة ذات الخمسين عاماً – هدى جعفر

الكذبة ذات الخمسين عاماً – هدى جعفر

لا يوجد موضوع التهم عقول الناس واهتمامهم مثل موضوع الوحدة العربية منذ أن لحَّن محمد عبد الوهاب “سامحه الله” أغنية “وطني حبيبي الوطن الأكبر” التي ألهبت خيال العرب الحائرين دوما.
 والغريب في الموضوع أن هذا الحلم داعب جميع المذاهب على السواء : القوميون “بلاد العرب أوطاني” والمتدينون كمحمود غنيم في رائعته “مالي وللنجم يرعاني وأرعاه” بيت الشعر الذي طبق الآية الكريمة: “والشعراء يتبعهم الغاوون” باعتبار أن من يصدق أبيات هذه القصيدة فهو غاو و مغو لا محالة.
 هل من الممكن أن تحدث وحدة عربية تتفق وكلمات الأغنية أو بيت الشعر؟ الجواب ببساطة لا. لماذا؟ لأنه لا شئ هناك اسمه وحدة.
 أولا ماذا تعني كلمة “وحدة” أو “توحيد” دعونا من كلام ياقوت الحموي وقاموسه المعقد وتعالوا إلى قاموسي أنا.
مثلا حينما يقول أحدهم تم توحيد الزي المدرسي، يعني هذا أن يرتدي جميع طلاب المدرسة زيا “واحدا” يتفق عليه “أصحاب الشأن”. فإذا أردنا تطبيق هذه الفكرة على العالم العربي فأي زي سنختار: ثوباً وعقالاً وغترة أم قفطاناً ابيض مع طربوش؟؟.
قد تبدو الفكرة ساذجة للبعض ولكن قبل أن تزدري أفكاري يا قارئي العزيز فكر فعلا بقصة الزي, ما هي الملابس التي يجب أن يرتديها كل العرب؟ إعجن عقلك بهذا السؤال، وعندها ستعرف فداحة “الوحدة العربية” وقس على ذلك باقي أنواع “الوحدات” الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ما يفرق العرب أكثر مما يجمعهم. صحيح أن الدين واحد وكلنا نقول: “لا اله إلا الله” ولكن كل دولة لها خطاب ديني خاص به، كونته خلفيتها الثقافية والفكرية، وعدد السنوات التي رزحت فيها تحت الاستعمار.
فمثلا من يرى الدين “الامارتي” أو الدين “التونسي” سيفهم معنى ما أتحدث عنه. ولمن لم يعجبهم مثالي السابق عليهم أن يتمعن في حديث الشيخ عبد العزيز بن باز ومظهره مقارنة بالأستاذ عمرو خالد، ولن يصدق أنهما يتحدثان عن دين واحد!!!.
 وبالنسبة للغة المشتركة أعتقد أن كل ماهنالك أننا نستخدم ذات الثمانية والعشرين حرفاً فقط كمن يستخدم الماء والتراب ليزرع، ومن يستخدمه لعمل إناء فخاري ولا علاقة بين العملين كما هو واضح. أما الاقتصاد فأعتقد انه أهم أسباب تفرقة العالم العربي غير الموحد أصلا, هذا الاقتصاد الذي دفع بالكثيرين إلى الاغتراب في دولة أكثر”نفطية” مما قسم العالم العربي إلى “كفيلـ” و”مكفولـ” وللأسف كل “المكفولين” و”المكالف” عادوا من تلك الدول حاملين ذكريات سيئة من الطراز الذي لايروق لجمعيات حقوق الإنسان ولا لمفهوم الوحدة.
إن الوحدة العربية كذبة وصدقناها ودافعنا عنها بالروح وبالدم بعد هزائم متكررة ورفض عالمي كبير. مما جعل الوحدة حلم الخلاص السحري لجميع مشاكلنا كعرب: ” وأيضا مخدر نحقن به ضمائرنا حينما تتساءل عن ردة فعلنا المتوقعة تجاه الأحداث الحالية لنرد بلؤم «أصلا لو كان هناك وحدة لما تجرأت إسرائيل على كذا وكذا». أي ارتاح يا ضميري حتى يتوحد العالم العربي فما باليد حيلة.
إن العرب مثل من يريد الوصول إلى عنوان غير موجود، كمن يريد الذهاب إلى مدينة “جيوكندا”- ارض الذهب في الحضارة الهندية – فلا أحد يستطيع الوصول إلى هذه المدينة لأن لا وجود لها أصلاً, أضف إلى ذلك أننا يجب ألا نزايد على هذه الوحدة لأنها ستطرد أعلاماً بارزين طالما تغزلنا بهم وحلفنا بحياتهم (صلاح الدين الأيوبي، الإمامين البخاري ومسلم في علم الحديث، وسيبويه في النحو) لأنهم ليسوا عرباً!!! مما سيفقدنا رصيد فخر وغطرسة لانهائيين.
ربما هناك اتحاد وقتي بين الدول العربية ثم تذهب كل دولة في حال “حدودها” على شكل! تعاون, اتفاقات, معاهدات، أو أي شئ آخر. شرط أن يكون بعيداً عن المزايدات السطحية عن طريق “جيوكندا” غير الموجود.
[email protected]