حضر ضجيج الوحدة وغاب المعنى.. عبدالباري طاهر

حضر ضجيج الوحدة وغاب المعنى.. عبدالباري طاهر

عبدالباري طاهر
تحتفل اليمن بالذكرى السادسة عشرة ليوم من امجد أيامها القومية، يوم ال22 من مايو. ففي مثل هذا اليوم من العام 1990 تحققت الوحدة –الحلم– بين الدولتين الشطريتين (ج.ع. ي) و(ج. ي. د).
كانت الوحدة انجازاً قومياً وتقدمياً بكل المعنى، فقد جنبت اليمن ويلات ومحن الصراع على الحكم في الشمال والجنوب وبين الدولتين، ومعارضتهما السياسية!.
اعتاد الحكم اليمني على إلقاء تبعات التخلف وتدني الحياة المعيشية، والعجز عن تحقيق التنمية الممكنة على الرجعية والاستعمار في ماضي الدولتين. وبعد حرب 94 أصبح المشجب الجديد هو الحزب الاشتراكي الحليف الأساسي في الوحدة.
ويستطيع النظام أن يبحث عن عدو جديد يلقي بمسؤولية التخلف المريع عليه، ولن يكون هذا الشيطان الرجيم غير المعارضة السياسية (اللقاء المشترك).
تجريم الآخر وتخوينه داء خبيث. فهو لا يعمل على تدمير المختلف وإقصائه، وإنما يزكي النفس الأمارة بالسوء، ويضفي على العجز المدقع صفة القوة والزهو، وعلى الفساد صفة الطهر والنزاهة، فيخلط الأمور، ويزيدها تعقيداً، ويبرر أعمال الإرهاب و الفساد، ويشعرنا بالتطهر والاستعلاء.
غالباً ما تكون مثل هذه المناسبات العظيمة مجالاً واسعاً للإنفاق الباذخ، والتلاعب اللامحدود بموارد شحيحة و محدودة. ودائما ما يجري الحديث عن المنجزات والمعجزات فيقدس الحكم، ويمجد الحزب ويؤلَّه الحاكم، وتقوم أجهزة الدعاية بزفة تبدأ ولا تنتهي تستهدف تزييف وعي الناس، وإسكات صوت المعارضة، والإلهاء.
وتغيب الأسئلة الأكثر جوهرية وحرارة وعمقا: بعد مضي أكثر من أربعين عاما على ثورة سبتمبر 62 ماذا تحقق، وما الذي لم يتحقق؟ بعد مضي ستة عشر عاما على “الوحدة” ماالذي تحقق -أيضا- وما الذي لم يتحقق؟ تجيب الصحافة وحزب الحكم على الشق الأول من السؤال ولا تجيب على سؤال مالم ينجز أو يتحقق ! وإذا كان من الخطأ إنكار ما تحقق أو أنجز، أيا كان وزنه أو حجمه أو أهميته فان قصر الحديث على المنجزات والمعجزات أمر بالغ الضرر و الضلال. وتكبر المأساة عندما يصبح الحديث -مجرد الحديث- عما لم ينجز، جريمة، وعندما يصبح نقد النواقص و الأخطاء و إهدار المال العام، وإعاقة بناء الدولة الديمقراطية، عداوة للوطن وخروجا عن الثوابت.
من حق اليمني أن يشعر بالغبن الفاجع ! فالميثاق المقدس الذي صاغه جماعة ثورة 48 مازال مطروحا على جدول العمل السياسي خصوصا ما يتعلق ببناء الدولة والفصل بين السلطات، وتحريم انشغال الامراء بالتجارة.
لقد أخفقت الثورة اليمنية سبتمبر 62 وأكتوبر 67 والوحدة 90 في بناء دولة العصر الحديث، الدولة القائمة على دستور وقانون نافذين ومعتبرين. فلايزال التداخل بين السلطات الثلاث قائماً حتى اليوم؛ فرئيس الدولة (السلطة التنفيذية) هو رئيس مجلس القضاء الأعلى، والسلطة التشريعية مندغمة في التنفيذية وتابعة لها ولا تمتلك الاستقلالية الحقيقية للرقابة والتشريع. والأخطر أن الحضور القبلي فيها واسع النفوذ حد السيطرة.
 الطابع القبلي للدولة سمة بارزة، ويقيناً هي النفي للدولة والعكس صحيح. هذه السمة الغالبة جعلت الدولة اقرب للقوة أو تعبيراً عنها. والسيطرة هنا لا تعني سيطرة طبقة، وتحويل جهاز الدولة إلى جهاز قمع ضد الطبقات الأخرى كتعريف ستالين للدولة، و إنما تحويلها إلى جهاز قمع بيد قبيلة أو تحالف قبلي وهو يرتد بها عن تعريف العلامة ابن خلدون الذي عرف الدولة بأنها سياسة رعاية مصالح البشر. فالدولة، بالمعنى “الخلدوني” رعاية مصالح الناس “، هي الغائب الأكبر في الحياة.
العجز عن بناء دولة عصرية حديثة يتجلى وينعكس في كل تفاصيل الحياة، وأداء الدولة لوظائفها. فهي بمقدار العجز عن تحقيق هذه الوظائف: الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والسياسية، بمقدار ارتدائها للروح القبلية، وإدارة الظهر لروح التطور والعصر والديمقراطية والحداثة. وتصبح القوة السند الوحيد ومبرر الشرعية والبقاء.
وحقاً فان ضعف المعارضة وانتهازيتها ومساومتها اللامبدئية، وعزلتها عن الناس والرأي العام يشجع جموح الدولة نحو الخيارات الأكثر استبداداً وفساداً.
لذا فقد حضر ضجيج الوحدة وغاب المعنى.