الدكتور حسن مجلي يبحث في قضاء دولة النظام والقانون

الدكتور حسن مجلي يبحث في قضاء دولة النظام والقانون

د. حسن مجلي*
«وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين»(1)
«يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون، أي عند انتهاكه وإلحاق الأذى بالآخرين».
جوك لوك – في الحكم المدني، فقرة(202)

القانون هو أساس الدولة والمجتمع الديمقراطي الحديث، ومن ثم، فإن عدم الامتثال لأحكامه، ورفض تنفيذ احكام القضاء الصادرة بناءً عليه والتي تعتبر تجسيداً له، هو إهدار للعدل والديمقراطية معاً واحتقار للدولة التي ترفع «سيادة القانون» شعاراً لها، ورمي في مزبلة الإهمال بالنظم والقوانين التي يسنها مجلس النواب وتصدرها السلطة السياسية العليا الحاكمة لتنظيم علاقات المواطنين فيما بينهم من جهة، وبأجهزة الدولة المختلفة من جهة أخرى(2).
لقد قبلت الشعوب، عبر التاريخ، الخضوع لأشد الأباطرة والملوك والرؤساء استبداداً وتعسفاً ما دامت سيادةالشريعة او القانون متحققة. ولكن الأمم عبر التاريخ لم تمهل الطغاة الذين أضاعوا حقوق المواطنين القانونية وأهدروا سيادة القانون وامتهنوا القضاء والقضاة وتسببوا في نشر الظلم والفوضى وإهدار الحقوق المشروعة للناس على مذبح الفساد الوظيفي والاستبداد الرسمي.
ولما كان رفض تنفيذ الأحكام القضائية الباتة هو أخطر انواع الفساد فإن الموظف الحكومي الفاسد يغتال سيادة القانون ويقوض اساس الدولة الديمقراطية حينما يمتنع عن تنفيذ احكام القضاء، ويستوي في ذلك ان يكون الموظف الرسمي رئيساً للوزراء أو مدير ادارة او مأمور قسم شرطة… الخ.
ولذلك فإن مخالفة القانون لا تقتصر على الجرائم التي يرتكبها آحاد الأفراد بل تكون في اكثر صورها خطورة عندما ينتهك الموظفون في الدولة سيادة القانون ويرفضون احكام القضاء الصادرة لصالح المواطنين ضد الجهات الرسمية التي يتولون إدارتها باسم القانون.
وجريمة الامتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة من الجهات الشرعية او القانونية ترتبط، تاريخياً، بالنفاق والتمرد على الخالق سبحانه وتعالى فقد امر الملائكة ان يسجدوا جميعاً إلا إبليس أبى وامتنع أن يكون مع الساجدين. فكانت جريمة إبليس اول جريمة امتناع في التاريخ.
ولا ريب أن امتناع اجهزة الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة «القطاع العام» عن تنفيذ الاحكام القضائية الباتة الصادرة ضدها هو مؤشر خطير على اهتزار علاقة الدولة بالمجتمع ودليل على عدم جدية السلطة الحاكمة في تطبيق القانون وأن شعار سيادته التي تتجسد فيما يصدره القضاء من أحكام باتة ما هو إلا محض هراء وكلام أجوف لا يمت للواقع بصلة ما.. ليس ذلك وحسب بل إن امتناع أحد موظفي الدولة عن تنفيذ الحكم الصادر ضد إدارته وتحديه للقضاء يهز كافة المعاني العظيمة المرتبطة بسيادة القانون ويطعنها في الصميم ويهدم مشروعية الحكم إذ تحوله في الحقيقة وأمام العالم الديمقراطي إلى حكم مستبد لا يخضع للقانون ولا يلتزم باحكام القضاء ومن ثم يؤدي ذلك إلى أن ينظر المواطنون إلى السلطة الحاكمة باعتبارها سلطة استبداد فاسدة وتجسيداً حياً للطغيان و«البلطجة الرسمية» لأن موظفيها يتعاملون مع المواطن قائلين له:
«إنني أعقد معك اتفاقاً بموجبه يكون كل شيء على حسابك وكل شيء في صالحي، وسوف احترمه مادام يروق لي ذلك، وسوف تحترمه أنت ما دام يروق لي أيضاً»(3).
إن امتناع الموظف العام بدءاً من رئيس الوزراء ونزولاً حتى اصغر موظف في الجهاز الحكومي عن تنفيذ الأحكام القضائية يبلغ قدراً جسيماً من المخالفة الصارخة لقوانين المجتمع واحكام القضاء التي صدرت نفاذاً لها، لأنه يكون أيضاً مخالفاً القاعدة القانونية الجنائية التي تجرم الامتناع عن تنفيذ الاحكام والاوامر القضائية، مما يجعل جريمة الموظف العام الممتنع عن تنفيذ احكام القضاء أكثر خطورة وجسامة من غيرها.
وفي (الجمهورية اليمنية) لا يكتفي بعض الموظفين بالامتناع عن تنفيذ احكام القضاء بل ويتحداها عابثاً بهيبة السلطة القضائية ومخرجاً لها لسانه الوظيفي الذي تفوح منه رائحة الفساد والصلافة.
ويقود بعض كبار الموظفين موجة تحدي الأحكام القضائية والتمرد عليها وكان اشهر هؤلاء وزير المالية السابق «علوي السلامي»، حيث كانت وما زالت تتكدس الأحكام وقرارات واوامر القضاء في رئاسة الوزراء ووزارة المالية والبنك المركزي دون ان تجد سبيلاً إلى التنفيذ، بل إن «باجمال» وقبله كان «السلامي» لم يكلفا نفسيهما حتى مهمة الرد على وزير العدل ومذكرات المحاكم فيما وجه من مذكرات اليهما بهذا الصدد.
ويذكرني امتناع البعض ومنهم امبراطور المالية المخلوع (علوي السلامي) المتكرر عن تنفيذ الاحكام القضائية وعدم سماحه للبنك المركزي (الذي كان «السلامي» قفله الكبير) بتوريد المبالغ المحكوم بها إلى محاكم التنفيذ بواقعة تاريخية يوم ان وقف الخليفة «المنصور» في «عرفة» خطيباً يحدد برنامجه السياسي فقال:
«أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم(4)، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني»(5).
ومن الشواهد الدالة على صحة ما ذكرته ما كتبه أحد اساتذة السياسة في اليمن حول واقعة عزل «السلامي» من وزارة المالية ما يلي:
«ولعل المفاجأة الكبيرة التي حملها التعديل الحكومي الأخير هي الإطاحة بإمبراطور المالية (علوي السلامي) الذي كان قد جعل من وزارة المالية (دولة داخل الدولة). وربما نجح الرئيس من خلال تغيير (السلامي) في توجيه رسالة تحذيرية إلى مراكز القوى داخل النظام مفادها أنه مازال رجل اليمن القوي رغم ما تعيشه البلاد من انفلات أمني واقتصادي وسياسي وأنه قادر على الإطاحة بأكثر الناس قوة داخل نظامه»(6).
إن التناقض بين الواقع وبين شعار «سيادة القانون» الذي أشبعنا البعض جعجعة وهم يتشدقون به صباحاً ومساءً ويزينون به صفحات دفاترهم السياسية ووثائقهم التنظيمية ويلوحون بنصوصه العقابية في وجوه خصومهم السياسيين يؤكد أن إهدار سيادة القانون ومن أهم مظاهرها عدم تنفيذ الجهات الرسمية للأحكام القضائية الصادرة ضدها(7) هي نتاج بيئة سياسية ووظيفية فاسدة يتناقض فيها القول مع العمل وتهيمن عليها مصالح مراكز القوى والمنافع الشخصية غير المشروعة وليس أحكام الدستور والقانون (النافذ).
قال سبحانه وتعالى يصف المنافقين:
«… يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم…»(8) صدق الله العظيم.

استاذ العلوم القانونية – جامعة صنعاء

 

 

الهوامش:

(1) سورة البقرة، الآية (34).
(2) ولذلك فإن رئيس الجمهورية المشير علي عبدالله صالح قدأكد في أحدث خطاباته أنه: «لا أحد فوق القانون، وأنه يجب أن يطبق على الجميع ودون استثناء» وأنه: «لا ينبغي ان تطبق القوانين على الضعفاء والمساكين فيما يترك العتاولة والمنفوخ ريشهم»؛ لأن القانون «على رأس الجميع ومن يتجاوز القانون يتأدب مهما كان: حزباً أو قبيلة أو قائداً أو وزيراً». صحيفة «الثورة» الرسمية، العدد (15118)، 3 ابريل 2006م.
(3) مونتسكيو، م.س. ص(58).
(4) «العقد الفريد» لابن عبدربه، المجلد الرابع، ص (186). و«تاريخ الخلفاء»، ص 263.
(5) «الكامل من التاريخ»، لابن الأثير، ج3، ص 566، دار إحياء التراث العربي، بيروت عام 1989م (تحقيق علي شيري).
(6) د. عبدالله الفقيه، استاذ العلوم السياسية، جامعة صنعاء، حيث وردت الفقرة المذكورة في مقال له بعنوان: «من توسيع القاعدة إلى تضييقها..قراءة سريعة للتعديلات الحكومية الأخيرة»، منشور في صحيفة «الوسط» بتاريخ 2/3/2006م.
(7) عام 2003م صرح رئيس الوزراء «باجمال»، وذلك في تحد صارخ منه للسلطة القضائية، بأنه سوف يستورد قضاة للمحاكم اليمنية من الخارج كي يحلوا محل القضاة اليمنيين، وقد رد عليه القاضي العلامة فهيم محسن – رئيس المحكمة التجارية- في صحيفة «الايام» الغراء بمقال مفحم تحت عنوان:«كلام لدولة رئيس الوزراء».
(8) سورة آل عمران، الآية (167).