محنة “إبداع” – عبدالباري طاهر

محنة “إبداع” – عبدالباري طاهر

ترمز محنة “إبداع” المجلة والإبداع بمعنى النص المبتكر. “الخلق على غير مثالـ” كتعريف الإبداع، فهذا النص الحداثي والجديد هو المستهدف أو المغتال بمصادرة مجلة إبداع. فقد سحبت الهيئة العامة للكتاب ورئيسها مجلة إبداع من التداول بعد أن عانت المجلة من التوقف أكثر من أربعة أعوام. وصدور متقطع وعاثر.
قصيدة الشاعر حلمي سالم “شرفة ليلى مراد” كانت الشرارة التي أغرت زيوس بصلب برمثيوس، وتعريض قلبه لنهش نسور القمع والمصادرة.
الألم في أي عضو يصيب الجسد كله. ولكن الألم يكون أشد والخطر أقوى عندما يصاب الرأس أو القلب، والأشد ضرراً وخطراً أن يصاب الجسم كله. وهو ما نشهده في الجسد العربي من المحيط إلى المحيط.
في الرأس “مصر المحروسة” لا يمكن الكلام عن “أولاد حارتنا” كبداية، فقد صودر وحورب كتاب “الشعر الجاهلي” لطه حسين. ومُنع “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبدالرزاق. وإن كانت مصادرة -أو بالأحرى رواية- “أولاد حارتنا” جاءت في نظام مختلف. لا أتحدث عن تعثر وتحويل مجلتي: الكاتب والطليعة فقد كان للتعثر والإعاقة علاقة بالسياسة والأيديولوجيا أكثر من العلاقة بالإبداع.
وبالأخص مجلة “الكاتبـ”. وفي منتصف السبعينيات تنبه مجلس الشعب المصري إلى خطورة “ألف ليلة وليلة” على الأخلاق، وضرر كتاب “الفتوحات الملكية” على العقيدة، في بلد يُفاخر بالانفتاح، ويهيئ للتطبيع مع إسرائيل.
في الفترة إياها أحال السادات العشرات من الصحفيين والأدباء والكتاب والمفكرين والأكاديميين إلى وظائف إدارية لا تحتاج أي موهبة أو كفاءة.
وكانت أسماء مثل: لويس عوض، ومحمود أمين العالم، وعبدالعظيم أنيس من ضحايا هذه الحملة التطهيرية، وشنت حملة إعلامية قاسية ضد مبدعين كبار، أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.
وإذا كان الشر يعم والوباء ينتشر ويعدي، فقد طرد الدكتور الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح. كما طرد المُفكر والروائي غالب هلسا صاحب الخماسية، وفتحت أبواب المعتقلات والمنافي للعشرات بل المئات.
وفي اليمن لا ينبغي الوقوف على أطلال البلاء والعدوى، وللبلاء وأثرها الوبيل. ففي القروان الوسطى صودرت كتب لسان اليمن الهمداني -صاحب الإكليل وصفة جزيرة العرب. كما صودرت كتب نشوان بن سعيد الحميري. وأباد الإمام عبدالله بن حمزة طائفة “المطرفية”. وهي طائفة تنتمي للمذهب الزيدي.
وعلم الكلام المعتزلي. وكان الشوكاني) وابن الأمير، ومحمد بن إبراهيم الوزير (العالم والمجتهد) ضحايا القمع والمصادرة.
وفي العصور الحديثة اُتهم الأحرار باختصار القرآن وصودرت رواية “صنعاء مدينة مفتوحة” لمحمد عبد الولي من مكتبة جامعة صنعاء. كما كُفر الأكاديمي حمود العودي وحوكم بتهمة الردة عن الإسلام. وكُفر العشرات من الأدباء والكتاب والمثقفين والأدبيات والمثقفات منهن: أمة العليم السوسوة، ورؤفة حسن، ورضية إحسان، ورضية شمشير وثريا منقوش. ومات الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب الشاعر محمد حسين هيثم وهو يُحاكم على نشر قصة للأديب الراحل أحمد الجرموزي قيل إنها تمس المُقدّس. والقضية مرفوعة ضد مجلة الحكمة التي رأس تحريرها الشاعر هيثم. ولا تزال المحاكم ومنابر المساجد مقاصد حقيقية ضد الإبداع والمبدعين. وإذا كان الإرث الوبيل عائقاً فإن العدوى أيضاً حقيقة.
وينتشر الوباء كالسرطان ليصل إلى مراكز الإشعاع والحداثة في الجسم العربي. فقد طالت الحسبة روايات ليلى العثمان في الكويت البلد الذي عرف حرية الرأي والتعبير والديمقراطية منذ الستينيات.
والأخطر امتداد وباء التكفير والتجريم إلى لبنان والبحرين. وهما مركزان من أكثر المراكز العربية تمدناً وتحضراً، بل وقادا تيارات التمدن والتحضر في محيطهما منذ مطلع القرن العشرين، وكانت لبنان النموذج الأروع في ازدهار إتجاهات الحداثة والإبداع. ففي لبنان تصادر كتاب الروض العاطر للشيخ النفزاوي. وهو قاضٍ تونسي عاش قبل عدة قرون. كما تُرفع قضية التجديف ضد الفنان الرائع مارسيل خلفية لأنه غنى قصيدة محمود درويش “أحد عشر كوكباً”. والقصيدة توظيف إبداعي بالنص وتثريه، ويغرسه في الوجدان والضمير.
تحويل المقدس الديني إلى مقصلة ضد الحرية والإبداع هو السائد في البلاد العربية. فقد حوكم ونفي المفكر نصر حامد أبو زيد على آرائه الاجتهادية في أصول الدين. وقتل محمد محمود في السودان، وطال الاغتيال المفكرين حسين مروة ومهدي عامل في لبنان. فالعداوة للحرية والإبداع “شيمة عربية” في النظام العربي يجد حسبه ونسبه في التخلف والهمجية والاستبداد. وغالباً ما تكون الفتوى الدينية كما حدث في فتوى الإمام الخميني ضد الروائي الباكستاني سلمان رشدي صاحب رواية “آيات شيطانية”. أو المصادرة الإدارية ذات الطابع الأمني كما حدث أكثر من مرة مع مجلة “إبداع”.
أما مجلة إبداع فإن محنتها الحقيقية هي الإبداع نفسه فالمجلة منذ صدورها في السبعينيات قد مثلت منبراً ومتنفساً للجديد الإبداعي. وقد صودرت أكثر من مرة… وكانت القصيدة واللوحة هي جريرتها الكبرى.
وكانت المصادرة وأخيراً التهميش والإماتة بالسكتة القلبية هي الأسلوب المُتبع. فقد توقفت أربعة أعوام، وجرى تحويلها إلى إصدار شبه سنوي في حالات سابقة. والدال أن الجديد في المجلة دائماً هو المستهدف. فقد صودرت المجلة مرتين بسبب قصيدتين للشاعر عبدالمنعم رمضان. والفاجع أن المسؤول الإداري عن الهيئة العامة هو من قام بالمصادرة. وهو من يبرر المصادرة “كخطوة استباقية ضد الاحتساب الديني والرقابة الأمنية”. فهناك مشترك بين الرقيب الديني والبوليسي ضد الحرية والإبداع. قصيدة الشاعر حلمي سالم، وهو من مؤصلي الحداثة ومؤسسي قصيدة النثر العربية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وناقد متميز، ومثقف عضوي، قصيدته المجرمة صدرت في ديوان “الثناء على الضعف”.
وإذا كان البوليس الأدبي قد صادر العدد فإن الرقيب الديني قد دخل على الخط ليكمل المشوار برفع قضية ضد رئيس التحرير الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، أحد رموز شعر الحداثة العربية. والشاعر حلمي سالم. فقد نشرت أخبار عن رفع دعوى المس بالمقدس من قبل “المُحتسب دائماً” يوسف البدري المشارك للدكتور عبدالصبور شاهين في الاحتساب ضد نصر حامد أبو زيد. ثم رفع البدري تهمة الارتداد ضد عبدالصبور نفسه على كتابه “أبي آدم”. وتعاضد الاستبدادين: الديني، والسياسي، هو الداء الوبيل في البلاد العربية. ويتحالف الاستبداد الداخلي مع الاستعمار ليكتمل المشهد، ويكون الإبداع والحرية هما الضحية.
فالابداع بالمعنى العام هو الرئة النقية التي تتنفس منها الحداثة والتجديد. فلا يتجلى فشل الثورة العربية في شيء كتجليها في فشل الحداثة والتجديد.
أفليس دالاً أن يحترق شارع المتنبي في بغداد في مشهد راعب أزرى بما فعله المغول ببغداد عام 656ه، مع انتشار موجات التكفير والتخوين ضد نوابغ الإبداع في المنطقة العربية كلها. فيحاكم مارسيل خليفة في بيروت. ويتوافق الوزراء السنة والشيعة على ما بينهما ضد “ربيع الثقافة” في البحرين. ويُجرم الشاعر المُبدع قاسم حداد. وتصادر في مصر المحروسة مجلة إبداع. ويُروّع حلمي سالم ورئيس التحرير حجازي بمقصلة “المس بالمقدس”.