«صيف يوناني» لصالح دياب.. بأقل ضجة.. بأكثر إنصات – عناية جابر

«صيف يوناني» لصالح دياب.. بأقل ضجة.. بأكثر إنصات – عناية جابر

بعد «قمر يابس يعتني بحياتي» وقد مضى زمن طويل على صدوره عن «دار الجديد» في بيروت، صدر للشاعر السوري المقيم في باريس صالح دياب ديوان شعري جديد عن «دار ميريت» في القاهرة، تحت عنوان «صيف يوناني».
يمتاز صالح دياب بالكلام الشعري الذي يسجل حضور الأشياء والمشاهد بأقل الضجة الممكنة. الأشياء التي هي عالمه، حصته من الغربة والوحدة والمرأة والبرد. بيته هذا: أيها الغريب/ ما الذي تفعله هنا/ راسيا بين القصب والريح/ يبيّن لنا الوحشة، الضعف والوحدة خلف كل ما يوجد، ويبيّن العبث أبدا، الممتد من الطفولة في الوطن، الى ما وراء البحار والعمر. قصائد صالح دياب، هي طريقته في النظر الى العالم، انها ايضا لغته، سيرة حبه وغربته، وعمره الذي يجري بدون جزاء.
قصائد صالح دياب في ديوانه الأول الذي ذكرنا، وفي إصداره الجديد، ذات مناخات ترتجف رقة، وتنحاز الى جماليات الوحدة وأدواتها، وتغوص عميقا في تنوع المشاهد على قلتها، تستلها من هامشيتها. يكتب صالح في قلب التأمل الشعري المنفتح على شتى التجارب الحديثة، بلغة غير مستهلكة، خاصة الى حد.
دائماً
تخيّب الأزهار الظن
مع أنني زرتُ كتباً كثيرة،
المجاذيف المحطمة
الأملاح المتخثرة على أسمائنا
ليست بالضرورة الأشجار
التي شحنت العتمة
طوال الليل.
تضعنا قراءة صالح دياب في «صيف يوناني» أمام حالة من القوة للحداثة الشعرية، قوة متلطية تسند المشهد البريء الآخذ في الهشاشة واللين، وقوة تحضن رقة القصائد، ولطفها وبُعدها عن النخبوية المتشاوفة.
الفكرة في القصيدة عند دياب، ليست نقطة محورية، بل تسير بموازاة وداعة الكلمات، تنصهر بها وتتوحد، ومن خلالها تتوحد في جوهر الشعر.
لا نسمع تردد الماضي كثيرا في «صيف يوناني» ولا نقرأ المراثي في الوطن البعيد، بل ثمة الإنشاد الوجودي المشغول بالإنصات، وهدفه النهائي هو القصيدة التي ترجّع الصور وتتعايش مع الحاضر مهما بلغت عذاباته.
ذهبت الى باريس
ودرّبت ندمي على الطيران
تلك أخطاء
بطول الحيرة
ولا تزن شيئاً
في المترو
أحتاج وقتاً
لكي أجد برج إيفل
في علبة ماكياجك
ونوتردام
في الجارور
ما تبقى
من مزاج الأمس
ولم آخذه
على محمل الجدّ
كان الحياة
الطمأنينة
في مرورها
تُخلّف ندوباً.
لا تختصر الرقة أو الدعة سيرة الصوت الشعري لدياب في القصيدة الحديثة، لأنه أيضاً شاعر تأمل وأسئلة. أي ثمة اختلاط الهشاشة والمعرفة، وحوار الكائن مع الذات والكون.

سيكولوجية الألم
يبتعد صالح دياب في قصيدته عن الشكوى العالية، ويدخل في سيكولوجية الألم. الغربة، والأوضاع الإنسانية المرتبكة والمؤلمة لغريب، تتواجد في متن القصيدة ولا تعيش كنشيد طاغ.
دياب يتبع ما تستطيع القصيدة نفسها اكتشافه. هي تدله الى خبايا الأشياء، المشاهد وسواها، وتتحسس العالم لوحدها، دون حاجة الى استنطاقها ودون افتعال أو كثير تدخلات على صعيد المبنى والصياغة، وعلى صعيد تقطيع السطور، ذلك أنها بهذه الطريقة، لا تفتقد القصيدة من طاقتها الإدراكية القادرة على هضم الاحتكاك المباشر واليومي بالحياة، وهضم الإحساس بمرارتها ولا جدواها والعذابات والأسئلة، كما الرغبات والحب كملطفين لهذه الحياة. القصيدة إذاً تقود نفسها، وتُفسح للكلام البسيط، تحوله عميقا الى كلام شعري.
نجد أيضا في قصيدة صالح دياب، شيئا لم يُستكمل بعد، شيئا تتطلع إليه القصيدة ولا تبلغه، شيئا فيه من رهافة الذي لم يُقل بعد، وفيه من عدم الرضى غير المعلن، وفيه من الصمت الأبيض ومن الجملة المعلقة التي تجعل الكلام ثمينا، مقتضبا وأكثر إيحاء من أن يُترك على سجيته، شيئا يجعل القصيدة حائرة، أو غير عابئة، أو ساخرة.
 
 

قمر يابس يعتني بحياتي*

 
* تطريز

لنا بلاد
تركنا فيها أصدقاءنا
يلبدون حول الحسرات
أو يفكرون بالثلج
لتبيض مرتفعات  وحدتهم

ماذا نفعل
تحت سماء غريبة
غير أن نصغي إلى النسيان
يطرز أعمارنا كالدانتيلا
غير أن نندم جيداً
في الهواء الطلق
ونجف
في قراءة الكتب
 

* قمر

في كنيسة صوتي
ذبلت الترانيم
والملائكة
على يدي
لا رائحة زرقاء
لتتفتح
في نومي

قمر يابس
في كتاب
يعتني بحياتي
 

* قمر يكتمل

كان عليّ
أن أتمتم باسمك
في مساء كامل
لكي تتوسع
هذه السماء قليلاً
أن أنظر إلى صوتك
يهب من بعيد
لكي لا تعود العتمة
تملأ نومي
الآن
عطرك يحدث
في حديقة أخرى
لا أفعل شيئاً
فقط استمع
إلى قمر ندمي
الذي يكتمل
 

* ذهبت إلى باريس

ذهبت إلى باريس
ودربت ندمي على الطيران

تلك أخطاء
بطول الحيرة
ولا تزن شيئاً
في المترو

أحتاج وقتا
لكي أجد برج إيفل
في علبة ماكياجك
ونوتردام
في الجارو

ما تبقى
من مزاح الأمس
ولم آخذه
على محمل الجد
كان الحياة

الطمأنينة
في مرورها
تخلَّف ندوباً

* الأربعون

الأربعون
أحد ما يغادر
أقف قليلاً
ثم
أغلق الباب

*  قصائد مختارة من ديوان «صيف يوناني» للشاعر صالح دياب صدر حديثاً عن دار ميريت القاهرة.