جابر عصفور.. ريادة وتنوير – عبدالباري طاهر

جابر عصفور.. ريادة وتنوير – عبدالباري طاهر

باحث عن المعرفة والتنوير. فجابر عصفور الباحث الأكاديمي، وداعية الحداثة والإستنارة يتمتع بخاصية على جانب كبير من الأهمية والصدق.
كطالب في السبعينيات عاش مرحلة صعود نجم الثورة العربية وانكسارها السريع والمريع. وشاهد بأم عينيه تلميذ ناصر وأحد أهم أتباعه (المقربين إليه) وهو يحرض التيارات التكفيرية ضد الناصريين واليسار (الماركسى) وبحسه الذكي والإنساني قرأ التجربة بعمق، فكراهة الإستبداد والفساد هو ما أتاح لجابر عصفور وهداه إلى دقة الملاحظة وصدق الرؤية وإلى قراءة فجر التنوير بعيني زرقاء اليمامة. فقد قرأ الفكر العربي الإسلامي والفكر الإنساني بتفتح ورحابة، ووعي وإلتزام أخلاقي بين عمق التجربة وصدق الرؤية. وترافدا: التجربة الحياتية، والوعي بها. ومن يقرأ للطالب جابر عصفور رسالته للماجستير أو الدكتوراه يدرك انه أمام باحث فذ، ومثقف عضوي، وناقد مسكون بالمعرفة والإستنارة. فهو مثقف واسع الإطلاع، ويمتلك حساً إنسانياً وإلتزاماً أخلاقياً يشعر بخطورة الإستبداد دينياً كان أو سياسياً. فكتاباه: “مفهوم الشعر” و”الصورة الفنية فى تراثنا النقدي البلاغي” يقدمان الأستاذ جابر عصفور كباحث يقدم قراءة عميقة ومغايرة ومختلفة عن السائد فى الذهنية النقدية. فالكتابان نافذتان جديدتان على أحدث ما في تيارات النقد الأدبي. وأتذكر لقاءاتي الأولى معه سواء فى منزل أستاذنا الدكتور عبد العزيز المقالح أو في الندوات والمحاضرات فى القاهرة منتصف السبعينات أن هذا الأستاذ يقدم رؤية مغايرة ومبكرة لاتجاهات رياح التغيير التى تهب على المنطقة. فهو متحرر من الدوجما أو التعصب. ويمثل بحق الإستنارة العقلية والمعرفية. والخط الصاعد فى تيار الحداثة العربية والإسلامية منذ رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي وابن عاشور والأفغاني والكواكبي وإقبال، وصولاً إلى طه حسين وميخائيل نعيمة،وما وصلت إليه تيارات الحداثة الإبداعية والنقد الثقافي عالمياً فى عصرنا الراهن. وكتابه “ المرايا المتجاورة” قراءة تدهش بعمقها وذكائها فى تتبع منابع فكر رائد من أهم رواد الحداثة العربية عميد الأدب العربب طه حسين. فالكتاب منعطف جديد لافت ومدهش لعمق وتفكير هذا الباحث الرائع. وسعة إطلاعه على ثقافة الفكر العربي وثقافات العصر الغنية والمتنوعة. فالناقد يمتلك أدوات المعرفة ويوظفها بإبداع وعمق فى تشخيص المنابع الفكرية والأدبية لطه حسين.
وعندما رأس تحرير “ فصول” استطاع جابر عصفور أن يجعل منها “منارة للنقد” ودفعها لاحتضان الجديد في الفكر والثقافة والإبداع. وقدمت “فصول” أعداداً متخصصة ومائزة عن مختلف مناهج النقد الأدبي، فدرست المجلة الشعر والمسرح والقصة والرواية والنقد والترجمة وكانت فترة عمله فى المجلة المومى إليها من أزهى فترات الصدور إنتظاماً والتزاماً وغنى وتنوعاً وعمقاً. وكانت الحرية والإبداع والحداثة والتجديد الهم القائم والمقيم أمام المفكر الناقد عصفور.
وخلال عمله فى “المجلس الأعلى للثقافة” تواصل اهتمام الباحث بكتب التنوير والتحديث. وصدرت العشرات والمئات من الكتب التى تغرس التسامح والحرية والحداثة فى وجدان وعقول وضمائر القراء.
لقد برهن جابر بالمسلك والنموذج الذى قدمه خلال سنوات ترؤسه “المجلس الأعلى للثقافة” أن المثقف فى مؤسسة رسمية يستطيع الإحتفاظ باستقلاليته وكرامته كمفكر إذا ما أخلص للثقافة، واحترم التنوع وحرية الإختيار. فالدفاع عن الحريات ومقارعة الفساد والإستبداد منحى مهم فى مسار دعوات الحرية والتنوير. فقد قرأ جابر عميقاً الفكر العربي والإنساني فى مساره الطويل والمتعرج. ووقف طويلاً إزاء البدايات للتنوير فى البلدان العربية فى مطلع القرن العشرين وكتاباته منذ الثمانينات تكرس لدمغ الفكر الظلامي وإدانة التعصب والتكفير والتخوين. وقد أدرك التلازم العميق بين الإستبداد والتدخل الأجنبي. والأهم أن هذا المفكر لم تستوعبه المؤسسة الرسمية. فقد استطاع أن يوظف المؤسسة الرسمية ويرتقي بها إلى عمل الكثير لصالح الثقافة والمثقفين. والآثار الكبيرة التى يتركها سواء بالنسبة للإصدارات الكاثرة أو المهرجانات الأدبية وتشجيع الإبداع مع استمرار عطائه الغزير المثري للحياة الفكرية والإبداعية. وكلها تؤكد المعنى الحقيقي للخط الصاعد الذى ترسمه حياته وأبحاثه ومقالاته الحافلة والصادقة.
ولعل أهم ما يميز هذا المفكر الإنسجام بين تفكيره كمجدد ومدافع عن الحريات وبين مسلكه العملي واليومي. فبرغم كل ما يقال فإنه لم يسجل عليه إنحيازه للقمع أو الإلغاء لمن اختلف معه وقد حافظ على توازنه رغم عواصف السياسة وطغيان الإستبداد. والأهم إعلاء الشأن الثقافي والإبداعي والنظر إليهما كأساس للسياسة الأكثر توهجاً وصدقاً. ونتمنى كقراء لهذا الرائد أن يضيف فى عمله الجديد فى الترجمة التى تمثل كعب اخيل فى حياتنا الفكرية والأدبية فى أمة تصل الأمية فيها إلى أكثر من 60 % ولا يتجاوز المترجم فيها عبر التاريخ ما تقوم به دولة كاليونان أو اسبانيا سنوياً.
فهو يدرك أن انتصار الحضارات والثقافة فى أي عصر أو أمة إنما يكون بالإنفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى واستيعابها وتمثلها والمقدرة الإبداعية على الإضافة والإثراء.